الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران فى شهرها الثانى تؤكد تحولها من استراتيجية الأهداف العسكرية إلى الأهداف الاقتصادية لتتصاعد فاتورتها كما سبق وأشرت، ليس على الأطراف الثلاثة بل على كل دول المنطقة الخليجية والعربية والكثير من دول العالم المستورد للمحروقات والكيماويات، تتوزع فاتورة الخسائر فى تفاوت لتختص بقسوتها الدول المتأزمة اقتصادياً، ويهمنى بالطبع مصر فى المقام الأول والتى نعايش التداعيات الصعبة بها، ولا أعرف لماذا لم توجه حكوماتنا المتعاقبة فى السنوات الأخيرة استثمارات أكبر فى قطاع الطاقة المتجددة وقلصت الاعتماد على الغاز مثلاً كما تفعل دول الاتحاد الأوروبى حالياً على سبيل المثال، والتى تتوجه إلى الاستغناء النهائى عن استيراد الغاز وإغلاق كل شركاته فى غضون عقدين قادمين.
أقول لو سارت مصر على هذا النهج وقللت اعتمادها على الغاز مع التوسع فى إنتاج الكهرباء والطاقة الشمسية وغيرها من طاقة متجددة ونظيفة لشهدنا نتيجة أفضل مما نحن عليه الآن، لكانت مصر حالياً هى من تصدر الغاز لا تستورده وتحقق دخلاً هائلاً يعمل على ملء جزء من فراغ الموازنة التى تعانى العجز وتجنب دفع فاتورة ارتفاع أسعار الغاز والتى تنعكس على أسعار السلع بصورة مطردة، وتم تجنب تحميل شرائح المجتمع البسيطة والمتوسطة فاتورة حل هذا الصعود الجنونى فى أسعار كل شيء.
معلوم أن ارتفاع أسعار المحروقات جراء حرب أو كوارث يؤثر مباشرة على أسعار المنتجات والسلع ويزيد من معدلات التضخم، وسيدفع مصر مجدداً إلى المزيد من القروض لسد عجز التمويل الخارجى لهذه الواردات، وبالتالى مزيد من الفوائد، ومزيد من العجز بالموازنة ومن تصاعد الضغوط على المواطنين، ولا يفوتنى التنويه إلى أن مدفوعات مصر لفوائد ديونها يقترب من نصف الإنفاق الحكومى، وتلتهم أقساط الديون وفوائدها أغلب إيرادات الدولة، ونسبة تصل إلى نصف العائدات من التصدير، ولا نتجاهل أيضاً أن اعتماد مصر على دول الخليج فيما يتعلق بالاستثمارات، القروض، تحويلات العاملين، تأثر الأن سلباً وبصورة قاسية، واستمرار حرب الاستنزاف سواء عسكرياً أو اقتصاداً سيعمق التأثيرات السلبية على الخليج ومصر بصورة خاصة لا يحمد عقباها أبداً.
ولأن دونالد ترامب لم يحصد جائزة الانتصار العسكرى على إيران كما خطط وأراد فقد وجه استراتيجيته إلى الأهداف الاقتصادية لتدمير البنية التحتية والأهداف المدنية لإيران لشل الدولة، فاستهدف معامل أبحاث طبية، مصانع إسمنت، كبارى، طرق، معتقداً أن هذا سيفجر غضباً شعبياً ويفض الالتفاف حول النظام «الملالي» وسيكسر إرادة الحرث الثورى بهذا الخراب الاقتصادى، وعدم استجابة إيران للمهلة الأمريكية لفتح مضيق هرمز، بجانب رفض حلف شمال الأطلنطى تقديم الدعم العسكرى لأميركا وكذلك إحجام بريطانيا بشكل خاص، كل هذا يدفع «ترامب» إلى جنون أكبر لتنفيذ سياسة الأرض المحروقة، أى إحراق النفط، الغاز، البتروكيماويات ليكبد هذه الدول الرافضة خسائر هائلة بفقدان مصادر حصولها على المحروقات، وبالتالى العجز عن توافر احتياجاتها الداخلية وتعطل مسارات الحياة والصناعة وتصاعد غضب الشعوب من تحمل فروق الأسعار المرتفعة، وهو ثمن يرى «ترامب» أنه من الضرورى أن تدفعه الدول الرافضة لدعمه فى الحرب.
لذا أتصور أن «ترامب» لن يجد مهرباً من مواصلة التصعيد لتعويض عدم الانتصار العسكرى وتحويلة لانتصار اقتصادى يطول الجميع بالخسائر، فليس من الواضح للأن وجود أى نقطة تقارب مع إيران لبدء مفاوضات، الأخيرة ترى أن ما يطلبه «ترامب» غير منطقى ومعقول، ولا أتوقع أن يرضخ هو للضغوط الداخلية لديه للتراجع، خاصة أن إيران لا تزال تضرب العمق الإسرائيلى وتهدد أمن الخليج العربى، وهنا يثور السؤال، هل استهداف أميركا وإسرائيل البنية التحتية لإيران سيؤدى بالفعل إلى انهيار النظام «الملالى «ويحقق الرهان الأخير لـ«ترامب» للحد تراجع شعبيته ومن الضغوطات الداخلية الرافضة للزج بأبنائهم فى حرب ليس لها داعٍ وفقاً لهم، بجانب انعكاسات ارتفاع أسعار المحروقات عليهم؟..وللحديث بقية


















0 تعليق