لم تُصلِّ مصر ولو بآية واحدة على روح الحاج (ماهر عاطف حسن عربانو – 64 عامًا)، سائق مسن حاول الحصول على معاش يكفل له كرامته ويستر مرضه، بعد العثور على جثمانه معلقا على سور القومسيون الطبى بمنطقة غيط النصارى، من قرية الزعاترة – مركز الزرقا بمحافظة دمياط.
ولم تُصدر أى جهة منوطة نعيا واحدا، أو حتى مبررًا للواقعة التى قتلت الأمل فى نفوس الضعفاء والبسطاء في هذا البلد، فلم ترف لها جفن، ولم تذرف دمعا قهرا وعدما على واقع نحو أكثر من 11 مليون مسن محسوبين على الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى التابعة لوزارة التضامن، فضلًا عن ملايين غير المسجلين لديها، حيث يمثل كبار السن فى مصر أكثر من 9% من إجمالى السكان.
لم يكن انتحار "عربانو" سوى صفعة على وجه منظومة كاملة، وصرخة ألم صامتة تكشف معاناة آلاف المصريين الذين يواجهون قهرا بيروقراطيا وبرودا قمعيا لا إنسانيا أمام مكاتب المصالح الحكومية، التى لم تنجح إلا في سلب حياة الفقراء وإذلالهم، فى داءٍ متجذر فى أسلوب إدارتها منذ تأسيس الأنظمة الحكومية الحديثة فى مصر.
سجل الحاج "عربانو" احتجاجا مكتوبا بالروح والجسد والحياة، وكل ما خُلق من أجل أن يعيش الإنسان كريما، موجها رسالته إلى دولة تسعى إلى بناء الإنسان والارتقاء به إلى مستويات الحياة الكريمة، فهو إعلان صريح بالرفض المكبل المهزوم ضد إجراءات قهرية، ليكون المجد فى القضية للموت... الموت فقط.
بعد سنوات من السعى واستجداء قبول الأوراق بابتسامةٍ بائسة للحصول على معاش مشروع، لم يجد خيارا سوى أن يترك جسده معلقا على سور المؤسسة المنوطة بإعطائه حقه، ليظل فى ذكراهم وبين أحاديثهم ومصمصة شفاههم على واقعه المؤلم.
ويبقى السؤال: هل ستسمع الدولة صرخات مظاليم المعاشات، التى تبدو جلية فى هذه الأيام العجاف، التى وصلنا إليها نتيجة سياسات اقتصادية غير مدروسة، ففى كل ركن وناصية يقف مسن أو مسنة، أو أرملة، أو بعض أمهات ذوى الهمم، وحتى عمال النظافة الذين لم تتجاوز رواتبهم 2200 جنيه، يتسولون من فضل الله، فقد باتوا من أفقر الفئات فى مصر، ويستحقون نظرة رحمة ورأفة بأعمارهم.
فلم تعد ملاليم معاشات الحكومة تسد جوعا أو تعالج مرضا، وشكواهم لن تُسمع بألسنتهم، بل تُرى فى رقرقة الدمع الحارق فى أعينهم، من قهر الحاجة والعوز والعجز عن العمل فى أواخر أيام العمر.
غضت الدولة بصرها عنهم، والآهات التى تئن فى حناجرهم لا تصل إلى آذان الحكومة، رغم موجات الغلاء وارتفاع الأسعار ومستويات التضخم المتتالية.
فرفع الحد الأدنى للأجور خطوة مهمة على طريق معالجة التضخم وارتفاع الأسعار لبقاء المواطنين على قيد الحياة، ولكن ليس كل المواطنين موظفى دولة، فهناك وطنٌ يضم فى فئاته المعدومة ما يقرب من 58 مليون عامل وفلاح وأصحاب معاشات وذوى دخول معدومة من مختلف الأعمار، يستحقون نظرة رحمة تغطى ضروريات الحياة لديهم.
فها نحن فى 2026، والحد الأدنى للمعاش 1755 جنيهًا، وبعد الزيادة المنتظرة فى يوليو يصل إلى 2018 جنيهًا، أى ما يعادل نحو 32–33 دولارًا بأسعار الصرف الحالية، وهى نسبة تعادل نحو 25% من الحد الأدنى للأجور.
ويبقى السؤال: كيف يُعيل أصحاب المعاشات الزهيدة أسرهم، والغلاء يفتك بالمصريين؟، فعلى الدولة أن تضم المزيد من المواطنين من أصحاب الدخول المعدومة تحت مظلة الحماية الاجتماعية، بمعاشات تتناسب مع تحركات الأسعار المتلاحقة، وايجاد حلول مساعدة لتلك الفئات، سواء من خلال توفير دعمٍ عينى وسلعى، أو عبر توفير فرص عمل لشريحة كبيرة منهم تعانى من البطالة والعمالة غير المنتظمة، وايجاد حل عادل انسانى لأصحاب الأمراض المزمنة لصرف الأدوية بعيدا عن الاجراءات البيقراطية المقيتة.


















0 تعليق