اليوم التالي للحرب: حين تصبح الجغرافيا لعنةً على أهلها

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الأحد 05/أبريل/2026 - 06:04 م 4/5/2026 6:04:46 PM

العالم يكتم أنفاسه خلال الأيام المتبقية من المهلة، في انتظار ما ستسفر عنه جولة تفاوضية تبدو، منذ بدايتها، مثقلة بشروط تكاد تكون تعجيزية من جميع الأطراف. فإيران تطرح ستة مطالب تصفها بأنها خطوط حمراء، فيما تذهب واشنطن إلى قائمة أطول تضم نحو خمسة عشر مطلبًا، لا تقل صعوبة وتعقيدًا. وبين هذا وذاك، تتزايد التقديرات التي ترجّح فشل هذه المفاوضات، في ظل استعدادات أمريكية متسارعة لسيناريوهات بديلة، تشمل خيارات التصعيد العسكري، من بينها الغزو البري، واستهداف محطات الكهرباء ومنشآت الطاقة. في هذا المناخ المشحون، لم يعد المشهد في الشرق الأوسط قابلًا للتبسيط أو القراءة عبر قوالب جاهزة، فالتصعيد الذي أعقب خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يكن مجرد تهديد عابر، بل كشف عن تحوّل أعمق في طبيعة الصراع ومعادلاته، حيث تتراجع فكرة الحماية التقليدية للحلفاء لصالح إدارة الأزمات وتوظيفها.
في هذا السياق، لم يكن التحرك الخليجي، وفي مقدمته الاتصال بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خطوة بروتوكولية، بل تعبيرًا عن إدراك متزايد بأن الاعتماد الأحادي على واشنطن لم يعد ضمانة كافية في لحظة تتغير فيها أولويات القوى الكبرى، وتُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ وفق منطق المصالح لا الالتزامات.
إن التهديد بضرب البنية التحتية في إيران لا يمكن فصله عن طبيعة العقيدة الإيرانية القائمة على توسيع نطاق الرد وتحويل أي ضربة إلى مواجهة متعددة الجبهات. فإيران، التي تدرك حدود قدرتها على استهداف العمق الأمريكي، تتجه نحو ضرب نقاط التأثير الحقيقية في المنطقة، أي منشآت الطاقة، والممرات البحرية، والقواعد العسكرية المنتشرة في محيطها. وهنا تحديدًا تتحول دول الخليج من حلفاء إلى خط تماس مباشر، حيث تقع جغرافيًا داخل مدى التأثير الإيراني، بينما تبقى الولايات المتحدة بعيدة عن دائرة الخطر المباشر. هذا الاختلال في الجغرافيا يجعل من أي تصعيد عسكري تهديدًا وجوديًا لدول الخليج، وليس مجرد مواجهة يمكن احتواؤها.
ولا يقتصر الأمر على الضربات العسكرية، بل يمتد إلى شرايين الاقتصاد العالمي، حيث تمثل الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق باب المندب ومضيق هرمز، نقاط اختناق استراتيجية. أي تعطيل لهذه الممرات، حتى بشكل جزئي، كفيل بإحداث صدمة في أسواق الطاقة، ورفع أسعار النفط، وإرباك حركة التجارة العالمية، بما يعيد العالم إلى أجواء الأزمات الاقتصادية الكبرى. وهنا يتحول الصراع من نزاع إقليمي إلى أزمة دولية مفتوحة، تتجاوز آثارها حدود المنطقة.
وفي موازاة ذلك، تبرز سيناريوهات التمدد البري، سواء عبر استهداف جزيرة خرج النفطية أو فتح جبهات في المناطق الكردية داخل إيران. ورغم ما قد يبدو في هذه التحركات من مكاسب تكتيكية، فإنها تحمل مخاطر استراتيجية عميقة، إذ إن التجارب القريبة في العراق وسوريا أثبتت أن تفكيك التوازنات الداخلية لا يؤدي إلى الحسم، بل إلى فراغ أمني تتحول فيه الجغرافيا إلى ساحة فوضى، وتصبح فيه الأقليات وقودًا لصراعات طويلة الأمد. ومع تصاعد المواجهة، قد تتحول هذه المكونات من عناصر اجتماعية إلى أدوات ضغط، بما يهدد بتفكيك الدول من الداخل، ويدفع المنطقة نحو نماذج من الانقسام يصعب احتواؤها.
في هذا المشهد، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، وهو ترتيب الأولويات في السياسة الأمريكية، حيث يبدو أن أمن إسرائيل يحتل موقعًا متقدمًا، مقابل غموض في مدى الالتزام بحماية بقية الحلفاء. هذا التفاوت لا يمر دون أثر، بل يدفع دول المنطقة إلى إعادة حساباتها، والبحث عن توازنات جديدة تقلل من حجم المخاطر، وتفتح المجال أمام تنويع الشراكات الدولية.
غير أن السؤال الأكثر خطورة لا يتعلق ببداية الحرب، بل بما بعدها. فإذا دخلت المنطقة في دوامة ضرب البنية التحتية المتبادلة، فإننا نكون أمام مرحلة من الاستنزاف الطويل، حيث تتراجع قدرة الدول على الإنتاج، وتضطرب الأسواق، وتتآكل مراكز النفوذ التقليدية، في مقابل صعود قوى دولية أخرى تسعى لملء الفراغ. وفي مثل هذا السيناريو، لا تكون الحرب حاسمة، ولا السلام ممكنًا، بل حالة ممتدة من التوتر منخفض الحدة تستنزف الجميع دون استثناء.
وفي قلب هذه المعادلة، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة أن الدول العربية هي الأكثر تعرضًا لدفع الكلفة، بحكم موقعها الجغرافي وارتباط اقتصاداتها بمصادر الطاقة والممرات الحيوية. ومع ذلك، فإن تقليل الخسائر يظل ممكنًا إذا ما تم الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، عبر تنويع التحالفات، وتعزيز منظومات الدفاع بشكل جماعي، وفتح قنوات تواصل إقليمي تقلل من احتمالات الانفجار، إلى جانب العمل على إيجاد بدائل لمسارات التجارة والطاقة تقلل من الاعتماد على نقاط الاختناق التقليدية.
في النهاية، لا تقف المنطقة أمام حرب تقليدية بقدر ما تواجه لحظة إعادة تشكيل تاريخية، حيث تتداخل الجغرافيا مع السياسة، وتتشابك المصالح مع المخاطر. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون النجاة حكرًا على الأقوى عسكريًا، بل على الأكثر قدرة على قراءة التحولات والتكيف معها. فالجغرافيا التي منحت المنطقة أهميتها، قد تتحول إلى عبء ثقيل إن لم تُدار بوعي، وقد تصبح، في زمن التحولات الكبرى، اختبارًا قاسيًا لقدرة الدول على البقاء.
باحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق