خط الدفاع الأخير عن النبى

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

غاب طلحة بن عبيد الله عن غزوة «بدر»، حيث كان، كما حكيت لك، فى مهمة استطلاعية كلفه بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فى حين حضرها رفيقه الزبير بن العوام، وكان على ميمنة الجيش، وقاتل فيها قتالًا كبيرًا، وحضر الرجلان غزوة «أُحد» وأبليا فيها بلاء حسنًا، لكن «طلحة» أثبت فيها شجاعة وثباتًا غير مسبوقين سجلهما له التاريخ، إلى درجة أن أبا بكر الصديق كان يردد أن يوم أحد كان يوم طلحة. «عن أم المؤمنين عائشة قالت كان أبوبكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كله لطلحة». 

لحظات عصيبة عاشها المسلمون خلال غزوة أحد، فكما تعلم بدأت الغزوة بظهور واضح للمسلمين على مشركى مكة، وأصبحوا قريبين من الانتصار الكامل عليهم، لكن حدث أن عصى الرماة أمر رسول الله بعدم التخلى عن أماكنهم، فتحول الموقف تحولًا خطيرًا لصالح المشركين.

يقول «ابن كثير» فى «البداية والنهاية»: كان عبدالله بن جبير أميرًا على الرماة، وعددهم خمسين رجلًا، وقد قال له رسول، صلى الله عليه وسلم: «انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا.. إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك».

وكما تعلم طمع الرماة فى الغنائم فتخلوا عن أماكنهم فتمكن خالد بن الوليد من تطويق المسلمين من الخلف، بالإضافة إلى تطويقهم من الأمام، وتمكن المشركون من الموقف. لحظات عصيبة عاشها المسلمون دفعت كبارهم إلى الفرار وتسلق جبل أحد، أو العودة إلى المدينة هربًا من سيوف الكفر وحِراب الشرك. ويمكنك أن تستدل على هول اللحظة من أسماء الصحابة الذين فروا فى ذلك الوقت من معمعة الموت التى اشتدت، مثل أبى بكر وعثمان وعمر. يقول تعالى فى سورة آل عمران: «إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ». يقول «ابن كثير» فى تفسير الآية الكريمة: «لما شد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل الرسول، صلى الله عليه وسلم، يدعو الناس: إلىّ عباد الله، إلىّ عباد الله.. فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر دعاء النبى، صلى الله عليه وسلم، إياهم».

وتستطيع أن تستدل على فرار أغلب المهاجرين من كبار الصحابة فى تلك اللحظة العصيبة التى حاصر فيها المشركون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فى غزوة أحد، ما يجمع عليه أغلب كُتّاب التراث، مثل «ابن كثير» و«ابن الأثير» من أنه لم يثبت حول النبى من المهاجرين سوى طلحة بن عبيد الله، ومعه أحد عشر رجلًا من الأنصار.

وفى هذا السياق تستطيع أن تفهم سياق قول أبى بكر عن يوم أحد: «ذاك يوم كله لطلحة». لقد كان أبوبكر أول من عاد إلى الالتفاف حول النبى بعد اللحظة العصيبة التى فر فيها، ويحكى، رضى الله عنه، عن هذه اللحظة قائلًا: «كنت أول من فاء يوم أحد فرأيت رجلًا يقاتل فى سبيل الله دونه فقلت: كُن طلحة». كان المجاهد الكبير والمقاتل الوحيد الذى صمد مع رجال الأنصار فى الدفاع عن رسول الله هو «طلحة». اختار النبى، صلى الله عليه وسلم، أن يكون «طلحة» خط الدفاع الأخير عنه، وتقدم للقتال دونه الأنصار، رجلًا تلو الآخر، حتى استشهد دونه الأحد عشر رجلًا كلهم، وهنا جاء دور «طلحة» خط الدفاع الأخير عن النبى، هجم المشركون على النبى بالنبال يريدون قتله، فأخذ «طلحة» يذود عنه بجسده، ويحول دون سهامهم ورسول الله بكل جزء فيه، حتى أصيب بعشرات الإصابات، وكان أخطرها الإصابة التى نالته فى يده، فأصابتها بالشلل، وظل الصحابى الجليل يعانى من هذه الإعاقة حتى مات.

كانت البطولة فى غزوة «أحد» لطلحة بن عبيد الله، وكان ذلك اليوم «يوم طلحة» بامتياز، سطّر فيه مجدًا خالدًا على مدار الأزمان، أما الزبير بن العوام فكان يومه يوم الخندق أو يوم الأحزاب، حين عاش لحظات عصيبة دافع فيها عن إيمانه ببسالة جعلت النبى، صلى الله عليه وسلم، يقول عنه: «لكل نبى حوارى.. وحواريى الزبير»، وكان «الزبير»- كما يقول «ابن الجوزى» صاحب كتاب «صفة الصفوة»- يفخر دائمًا ويقول: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يجمع لى أبويه جميعًا يتفدانى بهما ويقول: فداك أبى وأمى.

ويحكى صاحب «صفة الصفوة» أيضًا أن الزبير أول من سلّ سيفًا فى الإسلام، ويقول: عن سعيد بن المسيب قال: أول من سلّ سيفًا فى سبيل الله هو الزبير بن العوام، بينما هو بمكة إذ سمع صوتًا يقول إن النبى قد قُتل، فخرج عريانًا ما عليه شىء، فى يده السيف صلتًا، فتلقاه النبى، صلى الله عليه وسلم، فقال: ما بك يا زبير؟ قال سمعت أنك قد قُتلت. قال: فما كنت صانعًا؟ قال: أردت والله أن أستعرض أهل مكة، فدعا له النبى.

عاش طلحة والزبير مقاتلين مناضلين إلى جوار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسجّل كل منهما تاريخًا مجيدًا فى الدفاع عن رسالة الإسلام، وإبلاغها إلى البشر.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق