حين يغيبون... ويبدأ حضور آخر

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

هناك غياب لا يشبه أي غياب، غياب يُطفئ حضور الجسد لكنه يشعل حضور الروح. ليس كل رحيلٍ فراغًا، فبعض الغياب يتحوّل يا صديقي القارئ إلى ضوءٍ خافت يبقى في أعماقنا، يرافقنا بخطواتٍ لا نسمعها لكننا نشعر بها. الإنسان لا يرحل حقًا حين يبتعد، بل حين يفقد أثره في داخل من عرفوه. أما أولئك الذين مرّوا على حياتنا بصدق، فقد تركوا وراءهم ما هو أعمق من الوجود المادي: تركوا معنى، فكرة، أثرًا يعيد تشكيل وعينا كل مرة نلمسه دون قصد.

الفلسفة ترى أن الوجود الحقيقي لا يتجسّد في الجسد، بل في الصدى الذي يتركه الإنسان في الآخرين. نحن لا نحب الأشخاص كما هم يا عزيزي القارئ، بل كما جعلونا نكون. ولا نتذكّر وجوههم بقدر ما نتذكّر ما أورثونا إياه من لحظات أعادت ترتيب أرواحنا من الداخل. وعندما يغيب هؤلاء، لا يختفون؛ بل يتحوّلون إلى ظلالٍ ناعمة، إلى حضورٍ يمرّ معنا في تفاصيل يومية، في كلمة نتذكّرها، أو موقف يعيد نفسه، أو شعورٍ يوقظ ذاكرتنا فجأة.

ولعلّ أعظم تأثير يتركه الغائب هو ذاك الذي يُعيدنا إلى ذواتنا. فبعض الأشخاص يدخلون حياتنا ليكشفوا لنا أجزاء منّا لم نكن نراها. يضعون الضوء يا صديقي على منطقة كانت معتمة، أو يمنحوننا كلمة تُعيد ترتيب فوضى داخلية، أو يتركون أثرًا يجعلنا نعيد التفكير في أنفسنا والعالم. هؤلاء لا يغيبون؛ لأن الحقيقة أن أثرهم قد أصبح جزءًا من تكويننا.

الغياب في جوهره امتحانٌ للمعنى. فإذا كان وجود أحدهم عابرًا، فإنّ رحيله لا يترك شيئًا. أما إن كان حضوره عميقًا، فإنه يظلّ قائمًا حتى بعد أن يخلو المكان من صوته. والغريب أن بعض الناس يصبح غيابهم أثقل من حضور آخرين. لأن الأثر يا عزيزي هو معنى الوجود، والمعنى لا يموت برحيل صاحبه.

وقد يكون الأثر الذي يتركه الغائب هو ما يدفعنا للنضج. فغياب من نحبّ ليس نقصًا، بل مساحة نتعلم فيها أن نحمل جزءًا منهم داخلنا لنكمل الرحلة بطريقتهم، أو بعيونهم، أو بالحكمة التي تركوها لنا. لأن كل أثر صادق يا صديقي القارئ هو دعوة خفية لنكون أفضل، وأعمق، وأكثر وعيًا. وبينما ينسى البعض، فإن آخرين يبقون، ليس لأننا نتمسّك بهم... بل لأنهم رسخوا فينا دون أن نقصد.

وربما أجمل ما في الغياب أنه يُعيد تعريف الحضور. فنحن ندرك قيمة الإنسان حين نبحث عنه في اللحظة فلا نجد إلا أثره، ونشعر أنه أقرب إلينا رغم أنه أبعد ما يكون. وهذا ما يجعل الغياب شكلًا آخر من أشكال الوفاء: وفاء ذاكرتنا لمن غيّرنا، ووفاء أرواحنا لمن لمسها بصدق، ووفاء الزمن لمن مرّ علينا وترك بصمة لا يستطيع أحد غيره أن يضعها.

في النهاية، لا يغيب من له أثر. والإنسان الحقيقي يا عزيزي لا ينتهي برجوعه، بل يبدأ حين نفهم ما تركه خلفه فينا. وبعض الغياب ليس فقدًا... بل امتدادٌ لحضورٍ صار أكبر من صاحبه.

بقلم/ محمد جادالله

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط

[email protected]

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق