الحرب.. تجارة مربحة

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى خضم التصعيد المتسارع للحرب بين إيران من جهة، وكلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يتجدد الجدل فى الأوساط الاقتصادية والسياسية حول حقيقة طالما رافقت الصراعات الكبرى: «حروب البعض... أرباح للبعض الآخر». فبينما تتحمل دول المنطقة الكلفة المباشرة للتصعيد، تبرز أطراف دولية واقتصادية مستفيدة من حالة الاضطراب وعدم اليقين.

ووفقًا لما تناولته صحف ووكالات أنباء دولية فى تحليلاتها الأخيرة، فإن أول المستفيدين من هذا التصعيد هم منتجو الطاقة خارج دائرة الصراع المباشر، حيث أدت التوترات فى الخليج، خاصة مع تهديد الملاحة فى مضيق هرمز، إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز بشكل ملحوظ. هذا الارتفاع ينعكس إيجابًا على موازنات الدول المصدّرة للطاقة خارج المنطقة، ويمنح شركات النفط العالمية مكاسب استثنائية فى فترات زمنية قصيرة.

كما تستفيد شركات الصناعات العسكرية من تصاعد التوتر، إذ يؤدى زيادة الإنفاق الدفاعى فى الشرق الأوسط إلى توقيع صفقات تسليح ضخمة، فى ظل سعى الدول لتعزيز قدراتها العسكرية والدفاعية. وتشير تقارير دولية إلى أن سباق التسلح فى المنطقة يشهد وتيرة متسارعة، مدفوعًا بالمخاوف الأمنية وعدم الاستقرار.

ولا تقتصر المكاسب على الطاقة والسلاح، بل تمتد إلى الأسواق المالية، حيث تتجه رؤوس الأموال نحو «الملاذات الآمنة» مثل الذهب والدولار، ما يعزز من قوة بعض الاقتصادات الكبرى، فى الوقت الذى تعانى فيه الأسواق الناشئة من نزوح الاستثمارات وتراجع عملاتها.

فى المقابل، تبدو الكلفة الاقتصادية للحرب باهظة على دول المنطقة والعالم على حد سواء. حيث أن استهداف منشآت الطاقة، كما حدث فى حقل «بارس الجنوبى»، والضربات المتبادلة التى طالت منشآت أخرى، أدت إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل. كما أن تهديد الملاحة البحرية يرفع من كلفة التأمين والشحن، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع عالميًا.

وتحذر تقارير اقتصادية دولية من أن استمرار هذا التصعيد قد يدفع الاقتصاد العالمى نحو مرحلة جديدة من التضخم، وربما الركود، خاصة فى ظل التحديات التى لم يتعافَ منها العالم بعد. حيث أن ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على الصناعة والنقل، ويزيد من أعباء المعيشة على المواطنين، خصوصًا فى الدول المستوردة للطاقة.

أما على المستوى الإقليمى، فإن دولًا مثل مصر تتأثر بشكل مباشر عبر قنوات متعددة، من بينها ارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع حركة التجارة، وتأثر السياحة، ما يتطلب سياسات مرنة للتعامل مع تداعيات الأزمة.

وفى خضم هذا المشهد، يبرز سؤال جوهرى: هل يمكن أن تستمر معادلة «الرابح والخاسر» فى ظل حرب قد تخرج عن السيطرة؟ الواقع يشير إلى أن المكاسب قصيرة الأجل لبعض الأطراف قد تتحول إلى خسائر طويلة الأمد إذا ما اتسع نطاق الصراع.

فى النهاية، تؤكد هذه الأزمة أن الحروب الحديثة لم تعد مجرد مواجهات عسكرية، بل أصبحت منظومات معقدة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية. وبينما يحقق البعض أرباحًا من أزمات الآخرين، يبقى الثمن الأكبر دائمًا من نصيب الشعوب والاستقرار العالمى، ما يجعل البحث عن حلول سياسية ليس خيارًا، بل ضرورة حتمية لتفادى تداعيات قد تطول الجميع.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق