شاهدت وسمعت فيديو فى إحدى وسائل التواصل الاجتماعى، وهو عبارة عن تحليل رائع عن: «لماذا أمريكا لا تستطيع إيقاف الحرب مع إيران»، للاستاذ الدكتور «جيانج شيويه تشين»، وهو معلم ومحلل جيوسياسى كندى من أصل صينى، وأستاذ بجامعة بكين بالصين. ولروعة هذا التحليل قمت بترجمته إلى اللغة العربية وتحويله إلى نص كتابى، وهو كالتالي: اليوم أريد أن أتحدث عن شيء أعتقد أنه أهم سؤال فى هذه الحرب كلها. ليس من الذى يفوز، ولا كم عدد الضربات التى تم إطلاقها، ولا ماذا قال ترامب أمس أو ماذا هددت به إيران اليوم. السؤال الأهم هو هذا: هل تستطيع أمريكا فعلاً إيقاف هذه الحرب؟، هل يمكنها التفاوض على وقف إطلاق النار؟، هل يمكنها الانسحاب؟، هل يمكنها إيجاد مخرج؟. والإجابة، عندما تنظر إليها بعناية، مقلقة للغاية، أمريكا عالقة، إنها محاصرة، لا تستطيع التقدم ولا تستطيع التراجع. واليوم أريد أن أشرح بالضبط لماذا، فلنبدأ:
الجزء الأول: هذه الحرب لها زخمها الخاص، أول شيء تحتاج إلى فهمه عن هذه الحرب، هو أنه بمجرد أن تبدأ حرب كهذه، فإنها تخضع لزخمها الخاص، ومنطقها الخاص، تتوقف عن كونها شيئاً يتحكم فيه السياسيون والجنرالات، وتبدأ هى بالتحكم فيهم. فكر فى الحرب الروسية الأوكرانية، بدأت هذه الحرب فى فبراير ٢٠٢٢، ومنذ الأسابيع الأولى، كان الطرفان يعلمان أن التسوية التفاوضية ممكنة، وكانا يعلمان أن استمرار الحرب يسبب دماراً هائلاً ومعاناة وتكاليف اقتصادية ضخمة. ومع ذلك، بعد أربع سنوات، ما زالت الحرب مستمرة، تستنزف وتدمر الأرواح والاقتصاديات على الجانبين. لماذا؟، لأنه بمجرد أن تبدأ الحرب، فإن إيقافها يتطلب من أحد الطرفين قبول شيء مؤلم جداً: قبول الخسارة، قبول الإذلال، قبول شروط تبدو غير محتملة. وهذا شيء تجد معظم الحكومات والقادة صعوبة شبه مستحيلة فى فعله. الحرب مع إيران ستتبع نفس النمط تماماً، لن يعترف أى طرف بالهزيمة، حتى عندما يكون من مصلحته التوقف. وقد تستمر هذه الحرب لسنوات طويلة. هذا ليس توقعاً، بل نمط تاريخى يتكرر مراراً.
الجزء الثاني: فخ وقف إطلاق النار، فلنتخيل أن أمريكا قررت أنها تريد التفاوض على وقف إطلاق النار مع إيران، وتتواصل عبر قنوات خلفية، ربما عبر عُمان أو قطر، وتبدأ التحدث مع إيران. ماذا ستقول إيران؟، ستقول: حسناً، سنتوقف عن القتال، لكن هذه شروطنا:
أولاً: تدفع أمريكا حوالى تريليون دولار كتعويضات عن الدمار والعقوبات والأضرار الاقتصادية.
ثانياً (وهو الأهم): يجب على أمريكا مغادرة الشرق الأوسط نهائياً، وسحب قواعدها وقواتها بالكامل. لأن موقف إيران بسيط: الطريقة الوحيدة لضمان بقائها هى منع أمريكا من العودة مرة أخرى، وتكون النتائج كالآتى:
الخطوة (١): دول الخليج تصبح تابعة لإيران. حالياً تعتمد دول الخليج على الحماية الأمريكية. إذا انسحبت أمريكا، تختفى هذه الحماية، وتصبح إيران القوة الوحيدة القادرة على فرض الأمن، وبالتالى تضطر هذه الدول للانحياز إليها.
الخطوة (٢): انهيار البترودولار. دول الخليج تبيع النفط بالدولار، هذا يخلق طلباً عالمياً دائماً على الدولار، ثم تعيد استثمار هذه الأموال فى الاقتصاد الأمريكى. هذا النظام هو ما يسمح لأمريكا بالاستمرار رغم ديون تبلغ ٣٩ تريليون دولار. إذا تغير ذلك، ينهار هذا النظام، ويتعرض الاقتصاد الأمريكى لهزة كبيرة.
الخطوة (٣): إعادة تسليح اليابان وكوريا الجنوبية. ستبدأ هذه الدول فى الاعتماد على نفسها عسكرياً بدلاً من الاعتماد على أمريكا، إذا شعرت أن واشنطن لم تعد حليفاً موثوقاً.
الخطوة (٤): أوروبا تصالح روسيا. قد ترى أوروبا أن استمرار الصراع لم يعد يخدم مصالحها، فتتجه لتسوية مع روسيا، مما يضعف التحالف الغربى.
الخطوة (٥): فقدان الدولار مكانته العالمية. ومع كل ما سبق، قد يتراجع دور الدولار كعملة احتياط عالمية، مما يؤثر بشدة على الاقتصاد الأمريكى.
الجزء الثالث: فخ الغزو البرى، إذا لم تستطع أمريكا الانسحاب أو التفاوض، قد تتجه للتصعيد، وهناك حديث عن السيطرة على جزيرة «خرج»، التى تصدر منها إيران معظم نفطها. لكن المشكلة يمكن السيطرة عليها، لكن لا يمكن الاحتفاظ بها. ستتعرض لهجمات مستمرة، سيتطلب ذلك التوسع إلى الساحل ثم الجبال، وهذا يعنى دخول حرب برية داخل إيران. وهنا يبدأ ما يسمى «الانزلاق التدريجى»، كما حدث فى حرب فيتنام.
الجزء الرابع: لماذا يُقال إن أمريكا قد تخسر، لأن إيران طورت استراتيجيات لمواجهة التفوق الأمريكى، وتعتمد على حرب غير تقليدية (طائرات مسيرة، صواريخ، انتشار)، حاملات الطائرات الأمريكية تصبح أهدافاً محتملة
الجزء الخامس: الحل المقترح، ليس عسكرياً، بل سياسي: الجلوس مع روسيا والصين وإيران، والاعتراف بنظام عالمى متعدد الأقطاب، وتقليل التدخل العسكرى، وبناء نظام تعاون بدلاً من الهيمنة
وفى النهاية، الحرب تكتسب زخمها الخاص، لا يمكن إيقافها بسهولة، الانسحاب له تكلفة، التصعيد له مخاطر
والحل الوحيد المطروح هو تغيير النهج العالمى. وانتهى الحديث بذلك.
محافظ المنوفية الأسبق


















0 تعليق