جريمة باسم القانون

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

صدقوا أو لا تصدقوا، هناك دولة فى القرن الحادى والعشرين تقر قانوناً يقول: إذا قتلت إسرائيلياً فسنعدمك، لكن إذا قتل إسرائيلى فلسطينياً فسنطلق عليه «جندياً بطلاً» أو «مواطناً خائفاً»، هذا ليس سيناريو فيلم خيالى، هذا ما حدث بأغلبية 62 صوتاً فى الكنيست بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، القانون يفرض إعداماً إلزامياً لأى فلسطينى يدان بهجوم مميت، دون حاجة لطلب من الادعاء العام ودون شرط إجماع القضاة، بينما الإسرائيلى الذى يفعل نفس الشىء لا يواجه هذه العقوبة، لذلك هذا ليس عدالة ولكنه فصل عنصرى متكامل الأركان.

والأدهى أن هذا القانون بمثابة جريمة حرب مكتملة الأركان، فالمادة 68 من اتفاقية جنيف الرابعة، التى وقعت عليها إسرائيل، تسمح فقط بالإعدام بضمانات قضائية مشددة محاكمة عادلة، حق استئناف، وتصديق من السلطة العليا، لكن القانون الجديد يلغى كل هذا، والأسوأ المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف التى تحرم أى معاملة تمييزية أثناء النزاعات المسلحة، لكن القانون يطبق الإعدام على الفلسطينيين فقط، نظام روما الأساسى للمحكمة الجنائية الدولية يعتبر فرض عقوبات تمييزية على أساس الجنسية جريمة ضد الإنسانية، لذلك ما يفعله الكنيست الآن هو ذات ما فعلته جنوب أفريقيا البيضاء، لكن جنوب أفريقيا كانت صريحة على الأقل.

ومن الملاحظ أن القانون لا يخدم أى هدف أمنى حقيقى، فالعمليات الانتحارية نادرة والمنفذ لا يخطط للعودة، الحقيقة أنه صفقة سياسية بين نتنياهو وشركائه المتطرفين لبقاء الائتلاف، وثمنها دماء أكثر من 9300 أسير بينهم 350 طفلاً و66 امرأة، كل عملية مقاومة مستقبلية تعنى إعدامات جماعية فورية بحق من تبقى فى الزنازين، هذا ليس قانون عقاب هذا قانون رهائن، وهو انتهاك صارخ للمادة 34 من اتفاقية جنيف الرابعة التى تحظر أخذ الرهائن تماماً.

والسؤال الآن: أين المجتمع الدولى؟ بيانات استنكار من أوروبا، وقلق من الأمم المتحدة، وإدانة من باقى الدول، ثم ماذا؟ لا شىء.. لا مقاطعة.. لا عقوبات.. لا أحد يذهب إلى لاهاى، لذلك هذا هو النفاق الدولى بعينه: قانون دولى يطبق على الضعفاء ويعاد صياغة لصالح الأقوياء، لكن المجتمع الدولى لا يزال يملك أدوات لو قرر استخدامها من بينها مجلس حقوق الإنسان الذى يمكنه تشكيل لجنة تحقيق دولية عاجلة، المحكمة الجنائية الدولية مدعوة لفتح تحقيق رسمى فى هذا القانون باعتباره جريمة ضد الإنسانية، ومجلس الأمن يمكنه فرض عقوبات على المسئولين عن تمريره، أما الدول الموقعة على اتفاقيات جنيف، فالمادة الأولى المشتركة تفرض عليها «احترام وضمان احترام» الاتفاقيات فى جميع الأحوال، لذلك الصمت ليس خياراً.

ومن المؤكد أن هذه القانون بمثابة إعلان حرب على مبادئ الإنسانية جمعاء، إسرائيل اختارت التخلى عن أى وهم بأنها ديمقراطية، وتبنى نظام تفوق عرقى مكشوف تحت غطاء قانونى، المجتمع الدولى مدعو الآن ليقول كلمة واحدة واضحة لا تحتمل التأويل: هذا القانون جريمة، ولن نصمت عليه، لأن القانون لا يقتل الأسرى وحدهم، بل يقتل أيضاً فكرة وجود عدالة دولية واحدة للجميع.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق