تاريخ إنشاء حصن بابليون وأهميته في الفتوح الإسلامية

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يعد حصن بابليون هو حصن تاريخي مهم في مصر، ذكره ياقوت الحموي باسم مرتبط بمدينة الفسطاط، تأسس الحصن في العصر الفارسي ثم أكمله الرومان، ولعب دورًا محوريًّا في الحروب التي سبقت الفتح الإسلامي لمصر.


تاريخ إنشاء حصن بابليون

قال المؤرخ ابن عبد الحكم، نقلًا عن الليث بن سعد: أسست الفرس بناء حصن بابليون بفسطاط مصر - أي: بالناحية التي أقيمت بها مدينة الفسطاط - فلما انكشفت جيوش الفرس عن الروم، وأجلتهم الروم عن الشام ومصر قام الروم بإتمام بناء ذلك الحصن، وظلت مصر خاضعة لهم حتى الفتح الإسلامي [ابن عبد الحكم: فتوح مصر وأخبارها، تحقيق: توري، ليدن .١٩٢م، ص ٣٤- ٣٥].

يرى المستشرق (بتلر) أن الإمبراطور الروماني (تراجان) أتى بنفسه إلى مصر سنة ١٠٠م، وبنى بها هذا الحصن، وجعل فيه قلعة منيعة قوية مزودة بمياه كثيرة؛ حفاظًا عليه من ثورات الثائرين المعادين لحكمه

[بتلر: فتح العرب لمصر، تعريب: محمد فريد أبي حديد، سلسلة تاريخ المصرين (رقم ٢٧)، الهيئة المصرية العامة للكتا ب، ١٩٨٩م، ج١، ص ٢١٤].

أهمية حصن بابليون

يذكر المقريزي أن بقايا الحصن تعرف ب (قصر الشمع)، وب (الكنيسة المعلقة)، وبه كان ينزل حاكم مصر من قبل ملوك الروم، إلى أن يعود لمقره الرئيسي في العاصمة (الإسكندرية)، وقد كان مطلًا على نهر النيل، وتصل السفن في النيل إلى الباب الغربي منه (باب الحديد) الذي منه ركب المقوقس سفينة، توجه بها إلى جزيرة الروضة المواجهة للحصن، وذلك بعد تغلب المسلمين على الحصن، الذي كان يجاوره مقياس النيل [المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة، د. ت، ج ١، ص ٢٨٦].

بناؤه ومحتواه

استعمل في بناء حصن بابليون أحجار جلبت من معابد فرعونية، وأتموا بناءه بالطوب الأحمر (مقاس١٥، ٢٠، ٣٠سم)، وتبلغ مساحة ذلك الحصن الروماني حوالي نصف كيلو متر مربع، ولم يبق من مبانيه سوى الباب القبلي، يحيط به برجان كبيران، حيث بنى فوق أحد البرجين- بالجزء القبلي منه - الكنيسة المعلقة، وبنى فوق البرج الآخر - عند مدخل المتحف القبلي - كنيسة منها: المعلقة، وأبو سرجه، ومار جرجس، والعذراء [الشبكة القومية للمعلومات (الإنترنت) على موقع (جوجل)، موسوعة لويكبيديا].


فتح حصن بابليون

بعد نجاح المسلمين بقيادة عمرو بن العاص - رضي الله عنه- في فتح (أم دنين)، و (عين شمس) اتجه جيش المسلمين صوب (حصن بابليون)، الذي يمثل الاستيلاء عليه إنجازًا بالغ الأهمية؛ إذ يفتح الطريق نحو العاصمة (الإسكندرية) بعد الإيقاع بعدد من الحصون الموصلة إليها.

نظرًا لما تقدم عزز البيزنطيون قواتهم بقيادة تيودور، وتحت إشراف المقوقس حاكم مصر الديني والمدني من قبل هرقل، وكان الحصن محاطًا بأسوار يبلغ سمكها ثمانية عشر قدمًا، ومحيطها على شكل مربع غير منتظم، ومقدار ارتفاعها نحو ستين قدمًا، إضافة إلى خم مياه النيل تحت أسوار الحصن، والسفن ترسو هنالك [فتح العرب لمصر، ج ١، ص ٠٢١٥] ، ومما زاد الحصن مناعة وجود جزيرة الروضة الحصينة وسط النهر تملك زمامه، وتحصن بها الروم مدة، ولما طال حصارها هربوا منها، وخرب عمرو بعض أسوارها وأبراجها، وكانت الأسوار محيطة بها، وظلت خرابًا حتى أعاد أحمد بن طولون بناء أسوارها سنة ٢٦٣هـ/٨٦٧م، وقام بتحصينها وأحرز بها حريمه وأمواله [ابن دقماق: الانتصار لواسطة عقد الأمصار، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، د. ت، القسم الأول ص ١٠٩، وفتح العرب لمصر، ج ١ ص ٢١٣].

حشد الروم قادتهم وجنودهم وأسلحتهم ومؤنهم داخل الحصن؛ للدفاع عنه، ومقاومة حصار المسلمين، ونثروا قطع الحديد المدببة الشائكة في طريق المهاجمين، وحفروا خندقًا حول الحصن، وجعلوا له أبوابًا

[ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تحقيق: محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية - بيروت، ج١، ص١٣]، وقد أغرق الخندق بالمياه وقت الفيضان، فانتظر المسلمون حتى انحسرت مياه الفيضان.

وقد ساعد تأخر وصول المدد إلى الروم، المسلمين، وشرعوا في محاصرة الحصن بدءًا من رمضان سنة ١٩هـ / سبتمبر ٦٤٠م [بتلر: فتح العرب لمصر، ج ٢، ص ٤٨٦]، وبعد شهر من الحصار فر المقوقس وكبار رجاله إلى جزيرة الروضة تحت حماية من الجند، وقطعوا الجسر الموصل إليها؛ حتى لا يلحق بهم أحد، وبعدها لحق به قائد الحصن (الأعيرج)، وبعض الأشراف.

أرسل المقوقس إلى عمرو رسالة تهديد ووعيد، وطالبه بإرسال رجل يفاوضه قبل مجيء جموع الروم، ويبدو أن المفاوضات لم تنجح فتم الاتفاق على مجيء وفد من قبل المقوقس إلى المسلمين، فأجل عمرو لقاءهم مدة؛ حتى يقفوا بأنفسهم على أخلاق المسلمين وقوتهم، ثم عرض عليهم اختيار إحدى ثلاث خصال: الإسلام، أو الجزية، أو الحرب.

لما رفض المقوقس مطالب المسلمين، تجددت المفاوضات ثانية، فأرسل عمرو وفدًا بقيادة (عبادة بن الصامت) رضي الله عنه فحاور المقوقس طويلًا، مظهرًا نقاء وأصالة وسمو المسلمين، ورقي أهدافهم، وحرصهم على الشهادة، وزهدهم في دنيا الناس [ابن عبد الحكم: فتوح مصر وأخبارها، ص ٦٥- ٦٩].

وقد أثر هذا في معنويات المقوقس ، وحاول إقناع القادة بالصلح ودفع الجزية ، لكنهم لم يقبلوا مدة شهر من الحصار ، ثم عقد صلح رفضه هرقل، فظل المسلمون يحاصرون الحصن، ثم قاموا بالهجوم عليه، حيث نجح الزبير بن العوام، ومحمد بن مسلمة، ومالك بن أبي سلسلة السلامي في صعود سور الحصن عن طريق سلم متحرك، وقابلهم من الجهة الأخرى شرحبيل بن حجية المرادي عن طريق سلم آخر من ناحية زقاق الزمامرة، وتم التعامل مع الحراس، والنزول داخل الحصن وفتح أبوابه، وتتابع جنود المسلمين داخل أرجائه، وذلك بعد حصار دام سبعة أشهر[ابن عبد الحكم: فتوح مصر وأخبارها، ص ٦٣- ٦٤].


معاهدة بابليون
هذا، وقد نصت معاهدة بابليون بين عمرو بن العاص والمقوقس على البنود الآتية [ابن عبد الحكم: فتوح مصر وأخبارها، ص ٧٠]:

١ - فرض الجزية على القبط: بجميع نواحي مصر (أعلاها وأسفلها)، شريفهم ووضيعهم على كل رجل منهم دفع دينارين كل عام، على أن يُعفى من الجزية الشيخ الكبير، والصغير دون الحلم، والنساء، والرهبان الذين يتفرغون للعبادة.

٢- قيام القبط بواجب الضيافة نحو المسلمين النازلين عليهم مدة ثلاثة أيام.

٣- للقبط أرضهم وأموالهم، لا يعرض لهم في شيء منها.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق