خطاب «ترامب» يبرر الصراع ويزعم الانتصار على إيران
«اللوموند» تحذر من حرب جرائم و«اكسيوس» تفضح غياب الاستراتيجية
«اسوشيتد برس» تكشف المبالغات بالأرقام .. و«إن بى سى نيوز» تؤكد قوة الحرس الثوري
استعرض الرئيس الامريكى دونالد ترامب الحرب على إيران فى خطاب مباشر، مؤكدا على نجاح العمليات العسكرية، بينما كشفت تقارير وسائل الاعلام عن فجوة كبيرة بين خطابه والواقع على الأرض، مع استمرار الصراع وتأثيراته على الاقتصاد والسياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة. حينما أعلن البيت الأبيض مساء الثلاثاء أن دونالد ترامب سيقدم تحديثا مهما بشأن الحرب فى ايران فى الليلة التالية، أثار ذلك حالة هلع فى وسائل الإعلام العالمية وانتشرت تكهنات واسعة حول احتمال إعلان نهاية الصراع الذى استمر نحو خمسة أسابيع أو اللجوء إلى تصعيد كبير عبر نشر قوات برية داخل ايران. لكن ما حدث جاء بعيدا عن كل التوقعات، حيث ظهر ترامب فى أول خطاب مباشر له منذ بدء الضربات فى 28 فبراير ليقدم مضمونا مكررا يعكس فى جوهره نفس تصريحاته ومنشوراته السابقة على منصة تروث سوشيال دون أى مؤشرات جديدة على مسار الحرب.
استمر الخطاب نحو ١٩ دقيقة وافتقر بشكل واضح إلى أى لحظة حاسمة أو إعلان مفصلي، ولم يتضمن أى إشارة إلى أن الحرب التى لا تبدو لها نهاية فى الأفق قد أحرزت تقدما فعليا، بل اكتفى ترامب بالإشادة بأداء القوات المسلحة مؤكدا أن الأهداف الاستراتيجية تقترب من الاكتمال وأن الولايات المتحدة على وشك إنجاز المهمة بسرعة. ويبدو هذا الطرح متناقضا مع تصريحاته السابقة، إذ كان قد قدر قبل يوم واحد فقط أن الحرب قد تنتهى خلال أسبوعين، لكنه عاد ليضيف مزيدا من الوقت قائلا: إن ايران ستتعرض لضربة قاسية خلال الأسابيع المقبلة، ما يعكس تراجعا ضمنيا عن الجدول الزمنى الذى طرحه. بحسب تحليل التليجراف البريطانية، يبدو أن الوقت لم يعد فى صالحه وأن تكرار الخطاب نفسه قد لا يكون كافيا.
فى المقابل، بدا الرئيس الاميركى محاصرا بخيارات محدودة، فهو لا يملك مسارا واضحا للتصعيد دون المخاطرة بحياة الجنود عبر تدخل برى مباشر، كما لا يبدو مستعدا للتراجع أو خفض التصعيد فى ظل استمرار ايران فى القتال ورفضها الجلوس إلى طاولة المفاوضات، بينما تجاهلت اوروبا دعواته للانخراط فى الحرب. ورغم الضغوط الداخلية وتراجع شعبيته، لم يتراجع ترامب عن الحرب معتبرًا أنها استثمار فى مستقبل الأجيال القادمة، محذرا من أن امتلاك ايران لسلاح نووى قد يمنحها القدرة على ابتزاز العالم، لكنه تجاهل تقييمات أجهزته الاستخباراتية التى أشارت إلى أن طهران غير قادرة أو غير راغبة حاليا فى زيادة تخصيب اليورانيوم بعد الضربات الأخيرة. وفى تحول محدود فى النبرة، بدا ترامب أكثر ليونة تجاه الحلفاء الأوروبيين، إذ دعاهم إلى التحلى بالشجاعة لمواجهة ايران وتولى مسؤولية إعادة فتح مضيق هرمز، رغم تأكيده أن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى النفط الذى يمر عبره.
وأشارت اكسيوس إلى أن ترامب لم يعلن عن أى سياسة جديدة لإنهاء الحرب، وركز الخطاب على محاولة إقناع الجمهور المتشكك بأن العمليات كانت ضرورية وناجحة. وقد أدت مزاعمه بأن جميع الأهداف العسكرية الاميركية قد شارفت على الانتهاء إلى انخفاض أسعار النفط فى البداية، لكن الأسعار ارتفعت لاحقا وانخفضت العقود الآجلة للأسهم بعد انتهاء الحرب، ربما بسبب تلميحه إلى أن الولايات المتحدة ستنهى الحرب دون حل أزمة المضيق، ما قد يطيل أزمة الطاقة العالمية إلى أجل غير مسمى.
وفى افتتاحية لوموند الفرنسية، قالت الصحيفة إن فجوة هائلة برزت بين استعراض الرئيس الاميركى لإنجازاته وبين الواقع الذى أحدثه الصراع، مؤكدة أن الحل العسكرى وحده لن يكون كافيا لردع النظام الايرانى الذى ازداد جرأة بفعل مقاومته. وأكدت لوموند أن الرئيس الاميركى فشل فى تقديم شرح واضح لكيفية الخروج من المأزق، مستبعدا العمليات البرية واسعة النطاق، معلنا عن مهمة أوشكت على الانتهاء تتطلب أسبوعين أو ثلاثة أسابيع أخرى من الضربات المكثفة، معتبرًا أن هذه الضربات ستعيد ايران إلى العصر الحجري، وهو ما يثير تساؤلات حول استهداف البنية التحتية المدنية، وهو ما وصفته الصحيفة بجريمة حرب. وأكدت الصحيفة أن الهوة اتسعت بين استعراض ترامب لنجاحه وبين الواقع، إذ صمد النظام الايراني، وأظهرت الطائرات المسيرة قدرات تدميرية عالية، فيما دُفن مسار الدبلوماسية تحت وطأة القنابل الاميركية والاسرائيلية، ولن يكون الحل العسكرى وحده قادرا على ردع النظام الايرانى عن إعادة بناء قدراته الصاروخية الباليستية وإعادة إطلاق برنامجه النووى خارج رقابة المجتمع الدولي.
فيما قدمت وكالة اسوشيتد برس مراجعة تفصيلية لخطاب ترامب كشفت عن عدد من الادعاءات المضللة وغير الدقيقة، خاصة فيما يتعلق بالاقتصاد الاميركى وتطورات الوضع داخل ايران وتأثير الحرب. وفى ملف الاقتصاد، نفت الوكالة صحة ادعاء ترامب بأن الولايات المتحدة بلا تضخم، مؤكدة أن التضخم لا يزال قائما حيث سجل مؤشر أسعار المستهلكين ارتفاعا بنسبة 2.4 بالمئة، كما أوضحت أن الاقتصاد لم يكن ضعيفا قبل توليه الحكم بل سجل نموا قويا بلغ 2.8 بالمئة عام 2024 وتراجع لاحقا إلى 2.1 بالمئة خلال ولايته.
وفى ما يتعلق بإيران، اعتبرت الوكالة أن حديث ترامب عن حدوث تغيير فى النظام مبالغ فيه، إذ أدى مقتل المرشد الاعلى على خامنئى إلى صعود ابنه مجتبى الذى ينظر إليه على أنه أكثر تشددا، كما تعزز نفوذ الحرس الثورى فى ظل الحرب، بينما لم تحدث أى انتفاضة شعبية كما كان متوقعا. وبشأن أعداد القتلى فى الاحتجاجات داخل ايران، أشار التقرير إلى عدم وجود أدلة تدعم رقم 45 ألف قتيل الذى ذكره ترامب، موضحا أن تقديرات منظمات حقوقية تشير إلى أكثر من 7000 قتيل مع احتمال وجود أعداد إضافية صعب التحقق منها، بينما قدرت الحكومة الايرانية العدد بنحو 3117 قتيلا.
أما بخصوص الاستثمارات، فقد شكك التقرير فى رقم 18 تريليون دولار الذى تحدث عنه ترامب مؤكدا أنه غير مدعوم بأدلة، وأن التقديرات الواقعية أقل بكثير وقد تشمل التزامات تعود لفترات سابقة. وفيما يتعلق بادعائه بأن إدارة اوباما منحت ايران 1.7 مليار دولار نقدا، أوضح التقرير أن هذه الأموال لم تكن هبة بل تسوية مالية تعود إلى صفقة قديمة منذ السبعينيات، تضمنت إعادة 400 مليون دولار مع فوائد بعد الاتفاق النووى عام 2015.
وفى سياق متصل، قالت ان بى سى نيوز إن الحرس الثورى الاسلامي، الذى يُنظر إليه كذراع الأقوى للنظام ويتمتع بنفوذ عسكرى واقتصادي، لا يزال مسيطرا بقوة، وربما يكون فى وضع أقوى مما كان عليه قبل الصراع. وقال على واعظ، مدير مشروع ايران فى مركز الابحاث «مجموعة الأزمات الدولية»، إن قوة الحرس الثورى كفاعل اقتصادى وسياسي، سواء بشكل مباشر أو عبر قدامى المحاربين، واضحة بالفعل ويبدو أنها مهيمنة بشكل متزايد. ويشير بعض المراقبين إلى أن الشخصيات البارزة فى السلطة تنتمى إلى العناصر الأكثر تشددا فى الحرس الثوري. وقال نمازي: «المجموعة الاكثر تشددا فى مجال الامن داخل الحرس الثورى هى الآن فى السلطة وهى التى تتخذ القرارات».

















0 تعليق