«الأرزقية».. كفاح حتى الموت

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ﺳﺒﻌﻴﻨﻰ ﻳﻘﺎوم ﻗﺴﻮة اﻟﺤﻴﺎة ﺑﻔﺮﺷﺎة أﺣﺬﻳﺔ .. وﺣﻤﺪى ﻋﺎﻣﻞ ﺑﻨﺎء: أﻋﻤﻞ ﻓﻰ ﻛﻞ اﻟﻈﺮوف ﻣﻦ أﺟﻞ أﺑﻨﺎﺋﻰ

 

تحت زخات المطر الغزيرة، يقف عدد كبير من المواطنين، الذين كتب عليهم الشقاء، يواصلون كفاحهم بلا توقف، كبار السن الذين تجاوزوا الستين، أو حتى السبعين، لا يسمح لهم العمر بالراحة، فكل يوم هو امتحان للصبر والتحمل، وكل خطوة على الأرصفة أو فى مواقع العمل تمثل جهادًا فى مواجهة قسوة الحياة، ورغم التعب والعرق والبرد، يواصلون عملهم، يمدون أيديهم ليحافظوا على حياة أسرهم وأمان الطرق، ويثبتوا أن المثابرة لا تعرف سنًا.
وهناك الشباب الذين اختبرتهم الحياة بأهوالها المبكرة، أحياء يهددهم الموت فى كل لحظة، يقفون على الأخشاب العالية، أو بين عربات البناء، أو فى مواقع تحت الإنشاء، يواجهون مخاطر الطقس القاسى والمعدات الثقيلة، ويحملون أعباء أكبر من طاقتهم، يعانون من قسوة الظروف، من خوف دائم، ومن شعور بالمسؤولية الذى يكبر معهم كل يوم، لكنهم يواصلون، لأن أمامهم أسر تنتظر، ودرسًا فى الصبر يجب أن يصل لأولادهم.. «الوفد» اقتربت منهم لتروى سيناريوهات يوميات الشقاء.

بطل صامد تحت المطر
فى صباحٍ رماديٍ مثقل بالغيوم، كانت السماء تمطر بلا توقف فوق طرق القاهرة، فيما هرع الناس بحثًا عن مأوى يقيهم البلل والبرد، السيارات تتزاحم، والأبواق تتعالى، والوجوه متجهمة من وطأة الطقس المفاجئ، ووسط هذا المشهد المضطرب، كان هناك رجل يقف بثبات، كأنه جزء من الطريق نفسه، لا تهزه الرياح ولا تثنيه الأمطار.
سعيد فرغلى، رجل فى الأربعين من عمره، يعمل فى شركة المياه، لم يكن يومه مختلفًا عن غيره من الأيام الممطرة، بل ربما أكثر قسوة، بينما كان الجميع يسرع للنجاة، كان هو يتجه إلى قلب المشكلة، إلى حيث تتجمع المياه وتتعطل الحياة، على الطريق الدائرى، وقف «سعيد» يحمل أدواته البسيطة، ينحنى تارة ويمد يده تارة أخرى، يفتح بالوعات الصرف، ويساعد المياه على أن تجد طريقها بعيدًا عن الأسفلت.
لم يكن يرتدى سوى ملابس عمل ثقيلة، ابتلت تمامًا حتى صارت كأنها جزء من جسده، قطرات المطر تنساب على وجهه، تختلط بعرقه، لكن عينيه ظلتا يقظتين، تراقبان كل تفصيلة، وكل نقطة ماء قد تتحول إلى خطر، لم يكن هناك جمهور يصفق، ولا كاميرات توثق، فقط طريق طويل ومهمة يجب أن تُنجز.
المفارقة أن الابتسامة لم تفارق وجهه، ابتسامة بسيطة، لكنها صادقة، كأنها رسالة صامتة تقول إن العمل شرف، وإن التعب ليس نهاية الطريق، ربما تحمل تلك الابتسامة قصصًا من المعاناة، من ضغوط الحياة، من مسئوليات لا تنتهى، لكنها رغم ذلك بقيت حاضرة، تمنحه قوة إضافية للاستمرار.
تمر السيارات بجانبه مسرعة، بعض السائقين يلقون عليه نظرة امتنان سريعة، وآخرون قد لا ينتبهون لوجوده أصلًا، لا ينتظر الشكر، ولا يعمل من أجله. يعرف أن ما يفعله يُحدث فرقًا، حتى لو لم يُرَ.
«ماذا عن أصعب لحظة فى يومك؟» سؤال وجهه محرر الوفد للعامل البطل، فيبتسم قليلًا، ثم يزفر نفسًا طويلًا قبل أن يتكلم: «أصعب وقت بيكون لما المطر يزيد فجأة، وتلاقى الميه بتعلى حواليك بسرعة، وأنت واقف لوحدك فى نص الطريق.. العربيات ماشية جنبك، وفيه سواقين مش شايفين كويس، وساعات بحس إن فى لحظة ممكن حد يغلط ويخبطنى.. بس برضه مينفعش أسيب مكانى».
يسكت لحظة، وكأنه يسترجع مشهدًا لا يُنسى: «مرة كنت على الدائرى، والدنيا كانت شبه عاصفة. الميه كانت واصلة لحد ركبتى، والبالوعة مسدودة جامد. فضلت أحاول فيها بإيدى، والمطر بينزل تقيل جدًا، والناس كلها بتجرى تستخبى.. وأنا حاسس إنى الوحيد اللى واقف فى المواجهة، فى اللحظة دى، البرد كان بيخش فى عضمى، وإيدى بتنمل، وممكن أجرح نفسى من غير ما أخد بالى. لكن لما فجأة الميه بدأت تنزل، والطريق فضى، حسيت أنى عملت حاجة كبيرة».
ويكمل بصوت هادئ: «أصعب حاجة مش التعب.. أصعب حاجة إنك تفضل ثابت، حتى وأنت تعبان وخايف. بس أنا بقول لنفسى دايمًا: لو أنا سيبت مكانى، مين هيقف؟».

سبعينى يقاوم قسوة الحياة بفرشاة أحذية
يجلس جمال على، رجل تجاوز السبعين من عمره، يحمل بين يديه فرشاة صغيرة وعلبة ملمّع قديمة، وكأنهما امتداد لسنوات عمره الطويلة، لا يلفت النظر كثيرًا، لكنه حاضر فى تفاصيل المكان، كأن الرصيف يعرفه أكثر مما يعرفه الناس.
لم يختر جمال هذه الحياة، لكنها اختارته. بعد أن كبر أبناؤه الثلاثة، وتزوجوا، وسافروا خارج مصر بحثًا عن حياة أفضل، وجد نفسه وحيدًا، فى مواجهة أيام لا ترحم. لم يشأ أن يكون عبئًا على أحد، فاختار العمل، حتى لو كان على رصيف، وتحت رحمة الطقس.
فى الشتاء، حين تهطل الأمطار، يبتل كل شىء حوله. الكرسى الصغير، الصندوق الخشبى، وحتى ملابسه التى لم تعد تقوى على مقاومة البرد، ومع ذلك، يجلس فى مكانه، ينتظر زبونًا قد يأتى أو لا يأتى. يضع قطعة قماش على ركبتيه، ويحاول أن يحمى أدواته، بينما أصابعه ترتجف من شدة البرد.
أما فى الصيف، فالمشهد مختلف، لكنه لا يقل قسوة، الشمس فوق رأسه مباشرة، والحرارة تلسع جلده، والعرق يتصبب من وجهه، لكنه لا يتحرك. يظل جالسًا، يلمّع الأحذية، قطعة بعد أخرى، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة.
يقول جمال بصوت متهدج: «الرصيف ده بقى بيتى.. أعرفه أكتر ما أعرف أى مكان تانى»، ويصمت قليلًا، ثم يبتسم ابتسامة خفيفة تحمل الكثير من التعب: «زمان كنت بشتغل شغلانة تانية، وكان عندى بيت مليان صوت.. دلوقتى الصوت الوحيد اللى بسمعه هو صوت العربيات».
تمر أمامه وجوه كثيرة، بعضها يعرفه، وبعضها لا يراه أصلًا، لكنه لا يغضب، اعتاد أن يكون جزءًا من الخلفية، لا من المشهد، يمد يده أحيانًا طالبًا العمل، لا الصدقة، يرفض أن يُنظر إليه بشفقة.
«أنا مش بشحت.. أنا بشتغل»، يقولها بحزم، وكأنها آخر ما تبقى له من «كرامة».. أصعب لحظاته، كما يروى، ليست الجوع ولا التعب، بل تلك اللحظات التى يشعر فيها بالوحدة وقال: «أوقات بقعد بالساعات محدش يكلمنى.. ولا حتى يسألنى عامل إيه. ساعتها بحس إن الدنيا بقت أضيق من الرصيف».
ويستعيد ذكرى بصوت منخفض: «مرة المطر كان شديد جدًا، وأنا قاعد لوحدى. الدنيا ضلمة، والناس كلها اختفت. حسيت إنى اتنسيت.. كأنى مش موجود».
«أنا بنزل كل يوم علشان أعيش.. مش علشان أستسلم»، يقولها وهو ينظر إلى الناس من حوله.. يواصل استرجاع ذكرياته ويضيف جملة تختصر كل شىء: «الحياة علمتنى إن اللى يقعد فى بيته كتير.. بيموت وهو عايش».

«بعيش زى الأموات علشان عيالى»
على الطريق الدائرى، توقفت سيارتنا بجانب سيارة ربع نقل صغير، وعلى قمرة التحميل جلس شاب على كومة من الأخشاب، يراقب حركة السيارات من فوق ارتفاع بسيط، المطر يتساقط بغزارة، والطرقات تلمع، والأبواق تصنع سيمفونية صاخبة من الفوضى. كان يبدو عاديًا فى وسط الزحام، لكن هناك شىء فى هدوءه وصلنا مباشرة، اقتربنا وسألناه عن عمله، فابتسم بحذر وقال: «أنا هنا على الأخشاب طول اليوم، أشتغل نجار مسلح.. وكل الظروف صعبة».
حمدى خلف، ثلاثينى من سوهاج، أجبرته الحياة على مغادرة أسرته ليعمل فى مواقع البناء بالمناطق تحت الإنشاء، مثل مدينة الشروق، ليؤمن لقمة العيش لأولاده الثلاثة، يقول وهو ينظر إلى يديه المتسخة: «أنا بتصعب عليا نفسى لما بلاقى غيرى داخل العربيات مستخبيين، وأنا على الأخشاب بتحمل زى الأموات.. بس ده دورى فى الحياة».
المطر لم يمنعه، ولا الشمس الحارقة فى الصيف، من الاستمرار فى عمله، كل مسمار يثبته وكل لوح خشبى يرفعه يمثل تحديًا يوميًا، لكنه يرى فى كل خطوة درسًا لأطفاله: «عايزهم يعرفوا إن الحياة مش سهلة، وإن لازم يشتغلوا ويكافحوا علشان ميطلعوش زيى.. فى شقا وتعب كتير، بس لازم نصبر».
أصعب لحظاته؟ عندما يزداد المطر فجأة وتصبح الأخشاب زلقة: «لازم أمسك نفسى كويس، وأتأكد إن كل خطوة آمنة.. مرات بحس إنى على حافة الموت، بس لازم أستمر»، وعندما ينتهى اليوم، ويجمع أدواته ويعد النقود، يشعر بقيمة تعبه: «لما أرجع البيت ومعايا جنيهاتى.. بحس إن كل تعب اليوم كان له معنى».
«حمدى» لم يترك الحياة تكسره، لكنه حمل رسالة أكبر، أن المسؤولية تجاه الأسرة أهم من أى ألم جسدى، وأن المثابرة والعمل الشريف هما الطريق للحياة بكرامة.
المطر أو الشمس الحارقة، لا فرق بالنسبة له، يقول بحزم: «أنا بتصعب عليا نفسى لما بلاقى غيرى داخل العربيات مستخبيين، وأنا على الأخشاب لكن ده دورى فى الحياة». صوته يحمل مزيجًا من التعب والفخر، وكأنه يعلم أن العمل الشاق ليس مجرد وسيلة للكسب، بل رسالة لأطفاله: المثابرة والمسؤولية أولًا.
حمدى لم يترك الحياة تكسره. ترك سوهاج، ترك راحة العائلة، لكنه حمل رسالة أكبر من نفسه: أن العمل والمثابرة هما السبيل للبقاء، وأن المسؤولية تجاه الأسرة أعلى من أى ألم جسدى يمكن أن يواجهه. إنه لا يبحث عن مدح أو اعتراف، كل ما يريده هو أن يعيش بكرامة، وأن يعلم أولاده معنى الشرف والكفاح.

f6288d1607.jpg
89e7730f78.jpg
bb93695256.jpg
551efd4064.jpg

أخبار ذات صلة

0 تعليق