استيقظت أسرة في منطقة كرموز بالإسكندرية على خبر قلب حياتهم رأسًا على عقب، نبأ طلاق الأم من والدهم هاتفيًا، وزواجه من أخرى، وعزوفه عن الإنفاق عليهم، هذه الصدمة البالغة استحوذت على قلب الأم، لتتحول مشاعر اليأس والحزن إلى مأساة مميتة أودت بحياة ستة من أفراد الأسرة، بينهم أطفالها الخمسة والأم نفسها، في حادثة هزت المجتمع بأسره وأثارت جدلًا واسعًا حول الصحة النفسية والضغوط العاطفية وكيف يمكن أن تتحول الأزمات النفسية إلى "مذبحة" لا تُصدق.
وفي تصريح خاص لـ"بوابة الوفد الإلكترونية"، كشف الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، عن الأسباب النفسية العميقة التي قد تدفع أمًا إلى إنهاء حياة أطفالها، مؤكّدًا أن الاكتئاب الشديد والأزمات النفسية الحادة قد تصل بصاحبها إلى اتخاذ قرارات مميتة بحق أحبائه، وحتى بحق ذاته، وقال: "الاكتئاب الشديد يقل فيه الدوبامين والسيروتونين شبه بينعدم، خاصةً إذا كان هناك مرض عضوي أو أزمة اقتصادية أو تهديدات من الآخرين، كما تزداد نسبة نورادرينالين وهو وكل ما يعلو بيقفل كل الأوعية الدموية الطرفية، مما يسبب الشعور بالضيق وفقدان الشغف تماماً، في هذه الحالة، يلجأ البعض إلى الانتحار لأنه يرى أنه لا ملجأ له إلا عند الله الأرحم من الجميع، ودائمًا مريض الاكتئاب الشديد يكون قلقًا على أقرب الناس إليه مثل أولاده، لذلك كثير من حالات الانتحار المصحوبة بالاكتئاب تكون مصحوبة بقتل الأولاد ثم الانتحار بعدها".
وأضاف الدكتور فرويز: "أي أزمة نفسية شديدة تأثيرها يختلف طبقًا للشخصية، فالشخصية العصبية غير الوسواسية وغيرها، كل شخصية ردود الأفعال عليها مختلفة، وهنا تكون أزمة نفسية شديدة، والاكتئاب يكون المسيطر، وتبعية الاكتئاب تصل إلى إيذاء الذات، والشعور بالذنب أو فقدان الأمل يلجأ صاحبه إلى تصرفات عنيفة نتيجة أن الشخص يريد حماية المقربين إليه بأسلوب خاطئ، فالاكتئاب والاضطرابات النفسية الأخرى تؤدي لمثل هذه السلوكيات وتوصل الإنسان إلى أقصى ما قد تتخيله".
مأساة كرموز.. نتيجة الإكتئاب الجماعي داخل الأسرة
وتابع: "الانتحار الجماعي هو فكرة مسيطرة، هناك شخصيات قيادية وأخرى تابعة، وهنا تصل مرحلة من السيطرة الفكرية، حيث تسيطر الشخصية القائدة على الشخصية التابعة، وبالتالي يُتخذ القرار الجمعي، فالقرار الجماعي ينتج بسبب سيطرة فكرة على شخص ثم أقنع بها الآخرون وتبعوها، مثل خطوات البطة، فتكون البطة الأم تسير وخلفها البط الآخر".
وعن العلامات المبكرة التي قد تنذر بوقوع مثل هذه المأساة، أشار الدكتور فرويز: "الشعور بالضيق، اضطرابات النوم، اضطرابات الأكل، فقدان الشغف، عدم الرد على الهاتف المحمول، وتصبح اللغة كلها كلام مختصر مثل "ربنا يسهل"، وعدم وجود أي أمل في الحياة، الحركة قليلة، الكلام محدود، التركيز والانتباه قليل، وكلها مؤشرات قد تؤدي لإيذاء الذات".
تفاصيل مأساوية تقشعر لها الأبدان
بدأت الأحداث عندما تلقت الأسرة خبر طلاق الأم من والدهم هاتفيًا وزواجه من أخرى، وعزوفه عن الإنفاق عليهم، مما سيطر اليأس على الأم، لتقرر التخلص من متاعب الحياة بطريقة مأساوية أودت بحياة أطفالها، حيث أحضرت ثلاثة أنصال شفرات معدنية، وبدأت في الاعتداء على أبنائها، ما أسفر عن إصابات قطعية في باطن رسغ اليدين، ونزيف شديد حتى صباح اليوم التالي.
تبع ذلك قتل الطفلة “م” صاحبة 10 سنوات، قبل أن تأمر الأم ابنها الأكبر “ر” 21 سنة وشقيقه “ي” 17 سنة بقتل شقيقهما “ي” 15 سنة، مستخدمين وسادة للإطباق على وجهه، ونجحوا في قتل الطفلة “ر” 12 سنة بنفس الطريقة، حاولوا قتل شقيقهم الأصغر مرة أخرى، إلا أنه قاوم، فهاجمتهم الأم بالأسلحة البيضاء، فيما أسفرت محاولاتها المتكررة عن وفاة باقي الأبناء، قبل أن تطلب من نجلها الأكبر الإطباق على عنقها، لتنتهي حياة الأم بشكل مأساوي.
البداية القانونية والتحقيقات
تلقت الأجهزة الأمنية في الإسكندرية إخطارًا بمحاولة شاب إلقاء نفسه من الطابق الثالث عشر، وتم إنقاذه من قبل الأهالي، لتتضح صلة الواقعة بالعثور على جثث الأم وأطفالها الخمسة.
وقررت جهات التحقيق تجديد حبس المتهم، والناجي الوحيد من هذه المذبحة، 15 يومًا على ذمة التحقيقات، وسط صدمة واسعة للمجتمع.
حادثة كرموز المروعة تؤكد أن الأزمات النفسية ليست مجرد ضغوط عابرة، بل قد تتحول إلى أفعال لا تُصدق، وأن حماية الأطفال والصحة النفسية للأم ليست رفاهية، بل ضرورة حيوية لمنع مأساة قد تدمر حياة الأسرة بأكملها.


















0 تعليق