ليس كل بريق ذهبا.. قانون طال انتظاه ونقاش لم يبدأ بعد

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أثار مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين جدلًا واسعًا بين مرحّب به باعتباره خطوة طال انتظارها، وبين متحفظ يرى أنه لا يعالج جذور الأزمة بقدر ما يعيد تنظيمها داخل الإطار ذاته.
 

فبينما يضخم البعض مزايا المشروع، تكشف القراءة المتأنية أن كثيرًا من هذه "المزايا" إما شكلية، أو لا تمس جوهر المشكلات التي تعانيها الأسرة المصرية، مسيحية كانت أم مسلمة.
 

ومن ثم، لا تبدو القضية مجرد إصدار قانون جديد، بل تتعلق بفلسفة التشريع ذاتها، وبطبيعة العلاقة بين الدين والقانون، وحدود تدخل الدولة في تنظيم ما هو ديني وروحي.
 

فالسؤال الحقيقي ليس: هل نحن أمام قانون جديد؟ بل: أي نموذج قانوني نريد أن يحكم الأسرة المصرية؟
 

ومن الواضح أن الإرادة السياسية اتجهت، من خلال هذا المشروع، إلى إنصاف الأسرة المسيحية، فاستجابت –إلى حد كبير– لرغبة الكنيسة الأرثوذكسية في تعديل لائحتها الصادرة عن المجلس الملي، بمشاركة الكنائس الأخرى قبل أن ينتقل المشروع بين جهات الدولة المختلفة وصولًا إلى صيغته الحالية. غير أن أهمية هذه الخطوة لا تمنع من التساؤل عمّا إذا كان المشروع يعالج الأزمة فعلًا، أم يعيد فقط إنتاجها في إطار قانوني جديد.


أولًا: هل يحل القانون أزمة التقاضي؟
- العدالة الناجزة لا تصنعها النصوص وحدها
 

يرى المؤيدون أن المشروع سيسهم في حل مشكلات التقاضي المتأخرة، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الأسري.
 

غير أن الرأي المقابل يرى أن الأزمة الحقيقية ليست في غياب قانون جديد، بل في بطء العدالة، وضعف آليات التنفيذ، وتقييد سلطة القاضي.
 

ففي قضايا النفقة مثلًا، لا تكمن المشكلة في النصوص، بل في قدرة المحكمة على الوصول إلى معرفة الدخل الحقيقي للزوج، وفرض النفقة العادلة، وضمان تنفيذ الأحكام بسرعة وفاعلية.
 

كما أن التثقيف الأسري وإعداد الشباب لتحمل مسؤوليات الزواج، أهم كثيرًا من مجرد إصدار تشريع جديد، فالقانون أداة لفض النزاعات، لكنه لا يصنع وحده أسرة مستقرة.
 

ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك، مؤكدين أن القانون يعالج غالبًا نتائج الانهيار الأسري لا أسبابه. فالأزمات العائلية ترتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية ونفسية، لا بمجرد فراغ تشريعي، ولذلك قد ينجح القانون في "تنظيم" الأزمة، دون أن يتمكن من إنهائها.

ثانيًا: هل المشروع أول قانون للأسرة المسيحية؟
- ادّعاء "الفراغ التشريعي" 
يُقال إن المشروع يمثل "أول قانون للأسرة المسيحية منذ قرون"، وإن ما سبقه لم يكن سوى لوائح كنسية لا ترقى إلى مرتبة القانون. 
 

غير أن هذا التوصيف يبدو غير دقيق؛ فالمحاكم المصرية ظلت لعقود تطبق شرائع غير المسلمين استنادًا إلى لوائحهم الخاصة، وقد منحها القانون رقم 462 لسنة 1955 قوة القواعد القانونية الملزمة.
 

بل إن المحكمة الدستورية العليا أكدت في أحكامها أن هذه الشرائع أصبحت قواعد قانونية واجبة التطبيق، تخضع للرقابة الدستورية، بعد أن أحال إليها المشرّع في مسائل الأحوال الشخصية.
وقد عبّرت المحكمة الدستورية عن ذلك بوضوح عندما قررت أن إحالة المشرّع إلى شرائع غير المسلمين في مسائل الأحوال الشخصية قد أضفى عليها وصف القاعدة القانونية، بعد أن كانت في أصلها قواعد دينية. ومن ثم، لم تعد لوائح الطوائف مجرد نظم كنسية داخلية، بل أصبحت جزءًا من النظام القانوني المصري، تُطبق أمام قضاء مدني موحد، وتخضع للرقابة الدستورية.
 

ومن ثم، فالمشروع لا ينشئ تشريعًا من العدم، بل يعيد صياغة وتقنين قواعد كانت مطبقة بالفعل داخل القضاء المصري.
 

- نهاية الفوضى أم استمرار النظام القائم؟
ذهب بعض الكتّاب إلى أن المشروع يضع نهاية لما سُمي "فوضى الأحوال الشخصية للمسيحيين"، بينما يرى آخرون أن المحاكم المدنية مارست اختصاصها لعقود طويلة في إطار واضح ومستقر نسبيًا، مستندة إلى شرائع الطوائف المختلفة.
ومن ثم، فإن الحديث عن "الفراغ" أو "الفوضى المطلقة" ينطوي على قدر من المبالغة، خصوصًا وأن القضاء المصري لم يكن يومًا بلا مرجعية في هذه القضايا.
- هل تختفي المجالس الروحية والإكليريكية؟
عند إلغاء المحاكم الملية، استعاضت الكنائس عنها بالمجالس الروحية والإكليريكية بوصفها بديلًا عنها، وذلك للنظر في حالات النزاع الأسري، والفصل في مسائل صحة الزواج وبطلانه وانحلاله من المنظور الكنسي، وكذلك بحث مدى جواز الإذن بالزواج الثاني أو التصريح به.
ولا يُتوقع أن تختفي هذه الكيانات، إذ إن الكنيسة في حاجة إليها لممارسة دورها في هذا المجال. كما أن مشروع القانون يُشير إليها ضمنًا لا صراحة، عندما ينص على أن يستأنس القاضي برأي الرئاسة الكنسية، وهو رأي لا يمكن إبداؤه عمليًا إلا من خلال هذه الأجهزة الكنسية القائمة.

ثالثًا: توحيد الشرائع… حقيقة أم توحيد شكلي؟
-  قانون موحد أم "كونفدرالية طائفية"؟
يُقدَّم المشروع باعتباره قانونًا موحدًا لست طوائف مسيحية. غير أن قراءة مواده تكشف استمرار الفوارق الجوهرية بين الطوائف، خاصة فيما يتعلق بسر الزواج وقدسيته وأسباب بطلانه أو انحلاله.
ولذلك وصفه البعض بأنه أقرب إلى "كونفدرالية طائفية داخل قانون واحد"، لا إلى تشريع موحد بالمعنى الحقيقي.
بل إن المشروع نفسه، في المادة (20)، اضطر إلى استثناء الطائفة الكاثوليكية من الخضوع لبعض أحكامه المتعلقة بسرّ الزواج وقدسيته، مقرّرًا في هذه المسائل استمرار العمل بلائحتها الداخلية، بما لا يخالف النظام العام. وهو ما يكشف بوضوح محدودية هذا "التوحيد".
- ما هو الموحد فعلًا؟
الجزء الأكثر تشابهًا داخل المشروع يتعلق بالآثار المدنية والمادية للزواج: النفقة، الحضانة، الرؤية، المسكن، التعويضات… وهي أمور لا تختلف جوهريًا بين المسيحيين والمسلمين، بل هي، في جوهرها، مسائل مدنية تكاد تتشابه بالنسبة لجميع المواطنين.
ومن هنا يطرح البعض سؤالًا منطقيًا: إذا كانت الجوانب المدنية واحدة تقريبًا، فلماذا لا تكون هذه قاعدة مدنية موحدة لجميع المواطنين، مع ترك الجوانب العقائدية لكل مؤسسة دينية؟
بل قد يكون حجم التشابه بين قانون الأسرة المسيحية ونظيره للمسلمين أكبر من حجم الاتفاق بين شرائع الطوائف المسيحية نفسها.
- ماذا عن غير المسيحيين؟
يبقى سؤال آخر مطروحًا: ماذا عن المصري غير المسلم وغير المسيحي؟ أليس مصريا بقدر الآخرين؟ وهل ستظل مشكلاته خارج أي معالجة تشريعية؟ وهو ما يعيد النقاش إلى فكرة "قانون الأحوال الشخصية الموحد"، القائم على المواطنة، مع ترك المسائل العقائدية لكل جماعة دينية.
رابعًا: هل يحافظ القانون على خصوصية الطوائف؟
-  تقنين الدين… هل يحميه أم يقيّده؟
يرى مؤيدو المشروع أنه يحافظ على خصوصية الطوائف الدينية.
ويكشف ذلك عن مفارقة جوهرية في بنية النظام القانوني؛ فالدين، حين يُنقل من مجاله الروحي إلى المجال التشريعي، لم يعد مجرد مرجعية روحية، بل تحوّل إلى قاعدة قانونية ملزمة، ليست بمنأى عن التفسير القضائي والتعديل البرلماني والرقابة الدستورية. وهنا يثور السؤال الأعمق: هل يُراد بهذا المشروع حماية الخصوصية الدينية، أم إدخالها بصورة أوسع داخل منطق الدولة الحديثة وآلياتها القانونية؟
كما يبرز تساؤل آخر: لماذا تتنازل الكنائس طواعية عن جزء من صلاحيتها في تنظيم ما يخص أتباعها روحيًا وضميريًا، لصالح قانون تصدره الدولة؟
وفي المقابل، لماذا تُدخل الدولة نفسها في مجال يقوم، في جوهره، على الإيمان الحر والالتزام الشخصي؟ ولماذا تُضفي قوة القانون وإلزامه على مبادئ دينية يُفترض أن يقوم الالتزام بها أساسًا على حرية الاقتناع الشخصي والضمير الفردي؟
-  من يملك سلطة التشريع الديني؟
منذ اللحظة التي تُدرج فيها المبادئ الدينية داخل نص قانوني يصدر عن البرلمان، تصبح خاضعة للتعديل والتفسير وفقًا لإرادة السلطة التشريعية.
فما قد يُقدَّم اليوم بوصفه انتصارًا لحقوق طائفة معينة، أو حتى لجميع المسيحيين، قد ينطوي –في المدى البعيد– على مخاطر تتعلق بتوسع دور الدولة في مجال يفترض أن يظل، في جوهره، خارج نطاق الهيمنة التشريعية المباشرة. ولذلك قد لا يكمن الخطر الحقيقي في مضمون بعض النصوص فقط، بل في انتقال الدين ذاته من دائرة الالتزام الروحي الحر إلى دائرة الإلزام القانوني الخاضع لسلطة الدولة.

خامسًا: التحايل على القانون… هل انتهى فعلًا؟
-  تغيير الطائفة والبحث عن الطلاق
من أبرز ما قيل عن المشروع أنه يغلق الباب أمام التحايل بتغيير الطائفة، لتطبيق الشريعة الإسلامية، والحصول على الطلاق.
 

لكن المنتقدين يرون أن المشكلة كان يمكن الحد منها ببساطة عبر الأخذ بمبدأ "شريعة العقد"، دون الحاجة إلى هذا البناء التشريعي المعقد، ثم إن المشروع نفسه، فتح أبوابًا جديدة للتحايل، خاصة في مادته (44) التي تتيح طلب الطلاق عند تغيير الطائفة إلى أخرى خارج الطوائف المشمولة بالقانون، كما يفتح بابًا لتغيير الدين ذاته.
ومن ثم، فالمشكلة لا تبدو في وسائل التحايل وحدها، بل في البنية القانونية التي تدفع الأفراد أصلًا للبحث عن مخارج استثنائية.
سادسًا: الحوار المجتمعي… حقيقة أم إجراء شكلي؟
- قانون أُحيط بقدر كبير من السرية
قيل إن المشروع حظي بحوار مجتمعي واسع، لكن الواقع يشير إلى أن أغلب المخاطبين بالقانون لم يطّلعوا أصلًا على النص النهائي للمشروع.
بل إن المشروع ظل لسنوات طويلة محاطًا بقدر كبير من السرية، منذ انتقاله بين الكنائس، ثم وزارة العدالة الانتقالية، ثم وزارة العدل، فرئاسة الوزراء، وأخيرًا البرلمان.
ولذلك يرى كثيرون أن "الحوار المجتمعي" كان أقرب إلى الطابع الشكلي منه إلى النقاش الحقيقي المفتوح.
فكيف يمكن الحديث عن توافق مجتمعي حول مشروع لم تُتح للرأي العام مناقشته بصورة حقيقية؟

سابعًا: نحو حل أكثر اتساقًا
يرى قطاع من المنتقدين أن الحل الحقيقي لا يكمن في مزيد من دمج الدين داخل القانون، بل بالأولى في الفصل بين العقد الديني والعقد المدني.
وليس هذا الطرح غريبًا عن التراث المسيحي نفسه، الذي ميّز تاريخيًا بين المجال الروحي والمجال المدني. ففي إنجيل لوقا (12: 14) يرد قول السيد المسيح: «من أقامني عليكما قاضيًا أو مقسمًا؟» عندما طُلب منه التدخل في نزاع على الميراث، كما يرد في إنجيل مرقس (12: 17): «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، وهي نصوص فُهمت تقليديًا بوصفها تمييزًا بين السلطة المدنية والالتزام الديني. 
 

فالعقد المدني ينظم الحقوق والالتزامات والآثار القانونية لجميع المواطنين على أساس المساواة، بينما يظل العقد الديني معبرًا عن البعد العقائدي والروحي لكل طائفة.
وبذلك يتحقق أمران معًا:
 وحدة القواعد المدنية داخل الدولة. 
والحفاظ على استقلال المؤسسات الدينية في شؤونها العقائدية.
كما أن هذا الفصل يخفف من التناقض القائم حاليًا بين وحدة القضاء وتعدد القوانين. فحين كانت هناك محاكم شرعية وملية مستقلة، كان من الطبيعي أن تختلف القواعد القانونية باختلاف جهة التقاضي. أما بعد توحيد القضاء داخل المحاكم الوطنية، فإن استمرار تعدد التشريعات بات يطرح إشكاليات حقيقية تتعلق بالمواطنة والمساواة أمام القانون.
 

أي مستقبل نريد؟
في النهاية، تبدو الإشكالية أعمق من مجرد إصدار قانون جديد.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط: هل المشروع جيد أم سيئ؟ بل: أي نموذج قانوني نريد للمجتمع المصري؟
هل نريد استمرار تعدد القوانين تبعًا للانتماء الديني؟ أم نسعى إلى إطار مدني موحد يقوم على المواطنة، مع احترام الخصوصيات الدينية بعيدًا عن تقنينها داخل الدولة؟
 

إن مشروع قانون الأسرة، مهما بلغت أهميته، لن يكون نهاية النقاش، بل ربما بدايته الحقيقية. لأن القضية في جوهرها ليست قضية نصوص فقط، بل قضية رؤية لطبيعة الدولة، وحدود القانون، وموقع الدين داخل المجال العام.
والإجابة عن هذه الأسئلة لن تحدد فقط مستقبل قانون الأحوال الشخصية، بل ستحدد أيضًا شكل العلاقة بين الدين والقانون، وبين الدولة والمجتمع، لسنوات طويلة قادمة. وربما لهذا كله، فإن النقاش الحقيقي لم يبدأ بعد.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق