في مناقشة ثرية لرواية المهلكة، توقف الدكتور هيثم الحاج علي أمام البنية السردية الخاصة التي شيدها الكاتب محمد الباز، معتبرًا أن الرواية تقوم على “بنية حلزونية” تدور حول مركز حدثي واحد، حيث يتحرك السرد في دوائر متصاعدة تجعل القارئ نفسه يدور حول هذا المركز، لا بوصفه متلقيًا خارجيًا، بل كجزء من التجربة السردية ذاتها.
وأوضح أن الرواية نجحت في خلق بناء متعدد الأصوات، إذ تتحدث كل شخصية من زاويتها الخاصة، حاملة رؤيتها للعالم وموقفها من الحدث المركزي. ومن خلال هذا التعدد، تتكشف المآلات المأساوية للشخصيات، سواء بالموت أو باكتشاف الحقيقة، وهي نهايات رأى أنها جاءت منطقية ومتسقة مع المسار النفسي والفكري لكل شخصية.
وأشار إلى أن شخصيات الرواية، على اختلاف خلفياتها الاجتماعية والثقافية، يجمعها خيط واحد يتمثل في “العقل النقدي” والقدرة على مساءلة الواقع وتمييز الحقيقة، مستشهدًا بشخصية الفتاة الصعيدية وغيرها من النماذج التي حملت وعيًا حادًا بأزماتها الفردية والجماعية.
ورأى أن الرواية تطرح فكرة جوهرية تتعلق بثورة يناير، إذ لا تقدم المشاركين فيها باعتبارهم “ثوريين” بالمعنى الأيديولوجي المنظم، بل “ثائرين” على أوضاع اجتماعية وإنسانية مأزومة.
فكل شخصية دفعتها معاناتها الخاصة إلى الاقتراب من مركز الحدث، وهي تدرك بدرجات متفاوتة أنها تسير نحو مصير قاسٍ أو “المهلكة”، كما يعكس عنوان الرواية نفسه.
وأضاف أن الشخصيات تعرف ما ترفضه أكثر مما تعرف ما تريده، وهو ما يمنح العمل بعدًا تأمليًا في طبيعة الحركات الاحتجاجية الكبرى، وكيف يمكن أن يجتمع المختلفون حول لحظة تاريخية واحدة بينما يحمل كل منهم دوافعه الخاصة ورؤيته الفردية للواقع.
وتوقف الدكتور هيثم الحاج عند معالجة الشخصيات داخل الرواية، مشيرًا إلى أن لكل شخصية “لغتها” وصوتها المستقل، وهو ما منح النص حيوية واضحة. فكل فصل يكشف الدوافع الشخصية والواقع الذي تحاول الشخصية الهروب منه أو تغييره، وكيف انجذبت إلى مركز الثورة، ثم كيف جرى استهلاكها تدريجيًا حتى الوصول إلى النهاية.
وأكد أن هذا التنوع بين شخصيات متعلمة وأخرى بسيطة، وبين من يسعى إلى الهروب من واقعه ومن يحاول بناء واقع جديد، منح الرواية مساحة واسعة لرصد التناقضات الاجتماعية والإنسانية التي صاحبت تلك المرحلة.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن روايات محمد الباز لا تكتفي بتقديم الحدث في صورته المباشرة، بل تسعى دائمًا إلى كشف ما وراءه، عبر قراءة واقعية وإنسانية عميقة. ومن هنا تأتي أهمية “المهلكة” باعتبارها رواية تطرح إشكاليات التاريخ والذاكرة ورؤية الأفراد للحدث الواحد، إذ تجمع داخلها زوايا نظر متعددة لثورة اجتمع حولها الجميع، لكن كلًّا منهم رآها بطريقته الخاصة.















0 تعليق