في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لا يبدو أن أي طرف مستعد لتقديم تنازلات، ما يضع مسار المفاوضات في حالة من الفوضى والارتباك السياسي.
وفي ظل هذا التصعيد، تطرح طهران خريطة جديدة للمسار السياسي، في المقابل تلوح واشنطن بخياري التنازل أو الانفجار، وبين هذين الحدين يتشكل المشهد الراهن، حيث تتقاطع المبادرات مع التهديدات، وتتحول المقترحات إلى أدوات ضغط أكثر منها جسورًا للحل، في ظل صراع مفتوح على شروط النهاية قبل أن تتبلور ملامح تسوية حقيقية.
وفي هذا السياق، قدمت إيران مقترحًا جديدًا معدلًا يهدف إلى إنهاء الحرب الدائرة وفتح مسار شامل لمعالجة القضايا العالقة مع الولايات المتحدة، في خطوة تعكس محاولة واضحة لإعادة ضبط مسار التصعيد.
ووفق ما أعلنته وزارة الخارجية الإيرانية، فإن المقترح يتألف من 14 بندًا،ويهدف إلى إنهاء الحرب في جميع الجبهات بما فيها لبنان، مع طرح جدول زمني مدته 30 يومًا للتوصل إلى آلية تنفيذ واضحة.
وفي هذا الإطار، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن المقترح يهدف إلى إنهاء الأعمال العدائية بشكل دائم، وليس الاكتفاء بهدنة مؤقتة، مشيرة إلى أن أي تفاهم محتمل يجب أن يتضمن ضمانات أمنية واضحة، وانسحاب القوات الأمريكية من المناطق القريبة من إيران، إلى جانب رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة.
كما نفت الوزارة صحة ما تم تداوله في بعض وسائل الإعلام بشأن تقديم تنازلات تتعلق بمضيق هرمز، مؤكدة أن الحديث عن إزالة الألغام أو تقديم تعهدات أحادية الجانب غير دقيق ولا أساس له من الصحة.
وفي سياق متصل، أفادت وزارة الخارجية الإيرانية بأن الجانب الأمريكي، عبر نظيره الباكستاني، قد أبلغها بموقفه من المقترح الإيراني، مشيرة إلى أنه سيتم دراسته بعناية والرد عليه في الوقت المناسب.
وفي هذا الإطار، نقل المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف في تصريحات لشبكة سي إن إن أن الولايات المتحدة تجري مناقشات مع إيران، في إشارة إلى استمرار قنوات الاتصال غير المباشرة بين الجانبين رغم التصعيد القائم، وهو ما يعكس وجود مسار تفاوضي مفتوح من حيث الشكل.
غير أن هذا المسار يصطدم بموقف أمريكي أكثر تشددًا من حيث المضمون، إذ نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه اطلع على المقترح الإيراني الجديد، إلا أنه اعتبره "غير مقبول في صورته الحالية"، ما يكشف عن تناقض واضح بين استمرار قنوات الاتصال من جهة، ورفض جوهري لمخرجاتها من جهة أخرى.
كما شدد ترامب في تصريحاته لهيئة البث على أن "المعركة تسير بشكل جيد من وجهة نظره"،في إشارة إلى استمرار نهج الضغط المزدوج القائم على التفاوض والتهديد في آن واحد.
وفي تصريحات سابقة، أضاف أن المقترح غير قابل للقبول، مشيرًا إلى أن "إيران لم تدفع الثمن الكافي لما قامت به خلال العقود الماضية".
كما لم يستبعد خيار التصعيد العسكري، مؤكدًا أن "إمكانية استئناف الهجمات قائمة إذا أساءت طهران التصرف"، ومشيرًا إلى أن الوضع الحالي "لا يزال مفتوحًا على جميع الاحتمالات".
وفي المقابل، علق الحرس الثوري الإيراني بأن أمام الولايات المتحدة “خيارات محدودة”، إما الدخول في مواجهة عسكرية وصفها بـ"المستحيلة"،أو القبول بما سماه "صفقة غير مثالية، معتبرًا أن موازين القوى في المنطقة لم تعد تسمح بفرض شروط أحادية.
كما أشارت طهران إلى ما وصفته بـ"تغير في المواقف الدولية"تجاه واشنطن، في إشارة إلى الصين وروسيا وأطراف أوروبية، معتبرة أن ذلك قد يعيد تشكيل بيئة التفاوض خلال المرحلة المقبلة.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الوساطة الباكستانية بين الطرفين، حيث تؤكد تقارير أن المقترح الإيراني جاء ردًا على خطة أمريكية سابقة من 9 بنود، ما يعكس استمرار حالة التبادل غير المباشر بدلًا من المفاوضات المباشرة.
وفي تطور ميداني متصل، أفادت القناة 12 الإسرائيلية نقلًا عن مصادر أن إسرائيل "متأهبة للتعامل مع عدة سيناريوهات قد تلجأ إليها واشنطن للرد على إيران"،في مؤشر على ارتفاع مستوى الجاهزية الإقليمية لأي تصعيد محتمل.
وفي ضوء ما تطرحه طهران من خريطة تفاوضية جديدة وما يقابله من تشكيك أمريكي، يتضح أن المشهد لا يزال مفتوحًا على أكثر من احتمال، حيث تتقاطع المبادرات مع التهديدات دون أن تفضي إلى اختراق حقيقي في جدار الأزمة.
وبين خريطة طهران وتشكيك واشنطن، تتأجل التسوية في ظل صراع مفتوح، فيما تبقى مفاوضات بلا تنازلات طريقًا ممهدًا نحو تصعيد محتمل يعكس فجوة الثقة العميقة بين الجانبين، وهكذا تبقى المنطقة أمام اختبار جديد تتقدم فيه المبادرات الدبلوماسية ببطء بينما تتصاعد احتمالات الانفجار.

















0 تعليق