وافق مجلس الوزراء، خلال اجتماعه يوم الأربعاء ٢٢ أبريل ٢٠٢٦، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولى، على مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين، وذلك وفق ما نشرته الصحف الصادرة فى اليوم ذاته.
وخلال الاجتماع، أكد رئيس مجلس الوزراء أنه ستتم إحالة مشروعات القوانين الثلاثة «للمسيحيين- للمسلمين- صندوق دعم الأسرة» تباعًا، بصفة أسبوعية، إلى البرلمان، ما يسهم- حسب التصريحات الرسمية- فى تلبية تطلعات المواطنين، والحفاظ على الاستقرار الأسرى والمجتمعى، ويحفظ حقوق جميع الأطراف.
كما أشار إلى صدور قرار رئيس مجلس الوزراء رقم «٢١٧٢» بتشكيل لجنة قانونية برئاسة ممثل عن وزارة العدل، وعضوية ممثلين عن الوزارات والجهات المعنية، إلى جانب ممثل عن الطوائف المسيحية، تختص بدراسة مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين وصياغته فى صورته النهائية.
وفيما يتعلق بإعداد المشروع، أوضح أن صياغته جاءت بعد سلسلة من الحوارات العميقة والموسعة مع ممثلى الطوائف المسيحية، وذلك من كبار القيادات الدينية ومستشاريها القانونيين وأعضاء مجلسى النواب والشيوخ، للتوصل إلى صيغة قانونية توافقية، روعى فيها عدم المساس بالمسائل العقائدية للطوائف المعنية بالقانون، وأن يكون المشروع شاملًا لجميع مسائل الأحوال الشخصية.
غير أن ما أُتيح للرأى العام من معلومات حول هذه الحوارات ظل محدودًا، واقتصر- فى الغالب- على بيانات صحفية تعلن عن انعقاد الاجتماعات، دون إتاحة حقيقية لمضامين النقاش أو آليات الوصول إلى هذا «التوافق» المعلن.
من ناحية أخرى، أشار وزير العدل إلى أن الوزارة أجرت حوارًا مجتمعيًا موسعًا تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية، لعرض مشروع القانون على أبناء الطوائف المخاطبة بأحكامه، وذلك بهدف التعرف على آرائهم ووجهات نظرهم فى جميع ما تضمنه من أحكام، وقد أسفرت جلسات الحوار عن التوافق بين جميع الحضور على غالبية أحكام المشروع. إلا أن هذا «الحوار المجتمعى»- فى صورته المعلنة- لم يتجاوز حدود اللقاءات المغلقة مع ممثلى الطوائف، كل بدورها، حسبما أوردته الصحف، دون انخراط فعلى لقاعدة أوسع من المواطنين المعنيين.
ولا شك أن ما يدعو إلى الإشادة هو ما أكده وزير العدل من عرض المشروع على جهات دستورية مهمة، مثل مجلس القضاء الأعلى، والمجلس القومى لحقوق الإنسان، والمجلس القومى للمرأة، والمجلس القومى للطفولة والأمومة، وهو إجراء يعكس التزامًا شكليًا بالإطار الدستورى.
أما عن مميزات المشروع، فقد أشار وزير العدل إلى أنه نجح فى جمع شتات جميع القواعد والأحكام التى تنظم شئون الأسرة المسيحية فى أداة تشريعية واحدة بمرتبة قانون، بعدما كانت مُبعثرة فى ست أدوات تشريعية لا ترقى أى منها لتلك المرتبة.
غير أن المقصود بهذه «الأدوات»- فى الواقع- هو لوائح الطوائف المسيحية التى كانت مطبقة فى ظل نظام المحاكم الملية قبل إلغائها، التى استمرت نافذة بموجب القانون رقم ٤٦٢ لسنة ١٩٥٥.
وهنا تبرز تساؤلات جوهرية:
هل يعنى هذا المشروع مجرد تجميع لهذه اللوائح فى صياغة قانونية موحدة، أم أنه ينطوى- فعليًا- على إلغاء استقلال هذه الطوائف فى تحديد شرائعها؟
وهل يؤدى صدور هذا القانون إلى إنهاء أى صلاحية مستقبلية للطوائف فى تطوير تشريعاتها الداخلية؟
ويمتد التساؤل إلى آلية التعديل مستقبلًا:
كيف يمكن تطوير هذا القانون إذا استجدت أوضاع جديدة؟ وما الدور الحقيقى للطوائف المعنية فى هذه العملية؟ وهل ستظل شريكة فى التشريع، أم مجرد جهة استشارية؟
فى سياق آخر، أشار وزير العدل إلى أن مشروع القانون يتميز بسهولة التبويب وسلاسة الصياغة والعرض لجميع ما تضمنه من موضوعات، على نحو يجعل من يطلع عليه- ولو كان غير متخصص فى العلوم القانونية- يعى المراد ويتبين المعنى من النص القانونى، ما سيكون له عظيم الأثر فى تبصرة المخاطبين بأحكامه، بما منحه لهم القانون من حقوق وما فرضه عليهم من التزامات. هذا ما نترقبه لمناقشته والثناء عليه، وتقييمه إن كان موحدًا فعلًا، فالنص حتى الآن سر من الأسرار التى لا يجوز الإفصاح عنها إلا لقلة من السلطات الدينية والحكومية.
كما أكد الوزير أن المشروع راعى مبدأ المساواة بين المواطنين، باعتباره أساس التشريع. غير أن هذا الطرح يصبح بدوره محل نظر؛ إذ أشار إلى أن المسائل والموضوعات التى لا تستند إلى أصل عقائدى، هى واحدة بالنسبة لجميع أبناء الوطن، مسلمين ومسيحيين، كتلك المتعلقة بمسكن الزوجية والرؤية والحضانة والاستزارة ووثيقة التأمين وملحق عقد الزواج والعقوبات التى توقع عند مخالفة أحكامه.
وهنا يبرز تساؤل منطقى:
إذا كانت هذه المسائل ذات طبيعة مدنية بحتة، فلماذا لا تكون نواة لقانون موحد يُطبق على جميع المصريين، بدلًا من إعادة إنتاجها فى تشريعين متوازيين للمسلمين والمسيحيين؟
كان من الممكن أن يحقق هذا التوجه قدرًا أكبر من المساواة الفعلية، مع الإبقاء فى الوقت ذاته على خصوصية المسائل ذات الطابع العقائدى لكل طائفة، وهو ما يوازن بين وحدة القانون واحترام التنوع.
وأخيرًا، كان من الأدق- فى تقديرنا- القول إن المشروع جاء نتيجة توافق بين قيادات الطوائف المسيحية، لا بين جميع أبنائها. إذ لا يمكن، فى ظل غياب نقاش مجتمعى واسع وشفاف، افتراض وجود إجماع حقيقى، سواء على مستوى القاعدة الشعبية أو حتى داخل الدوائر القيادية ذاتها.
















0 تعليق