ذكرى عيد تحرير سيناء، التى توافق الخامس والعشرين من أبريل من كل عام، تجسيد حى لملحمة وطنية لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت نتاج مزيج عبقرى بين بندقية المقاتل وذكاء المفاوض. هى اللحظة التى استردت فيها مصر سيادتها الكاملة على أرض الفيروز، لترسم مشهدًا مهيبًا يختصر فى طياته سنوات من الصبر والدم، والتخطيط الاستراتيجى.
لا تمثل سيناء للمصريين مجرد مساحة شاسعة من الرمال والجبال، بل العمق الاستراتيجى والقلب النابض فى تاريخ الدفاع عن الدولة المصرية. هى الأرض التى شهدت مرور الأنبياء، وهى البوابة التى تحطمت عندها أطماع الغزاة عبر العصور.
منذ نكسة عام ١٩٦٧ لم تكن سيناء بالنسبة للمصريين أرضًا محتلة فحسب، بل كانت جرحًا فى الكبرياء الوطنى. ومن هنا بدأت رحلة الاسترداد التى لم تتوقف حتى تم رفع العلم المصرى فوق طابا فى عام ١٩٨٩، لتكتمل لوحة التحرير التى بدأت شرارتها الفعلية فى عام ١٩٧٣.
ولا يمكن الحديث عن تحرير سيناء من دون العودة إلى نصر أكتوبر المجيد. فقبل المفاوضات والاتفاقات كان لا بد من كسر أسطورة الجيش الذى لا يُقهر. وكان الجندى هو البطل الحقيقى الذى عبر القناة تحت جحيم النيران، ليثبت أن التكنولوجيا العسكرية لا تصمد أمام إيمان صاحب الحق. هذا النصر هو الذى فتح الباب واسعًا أمام مسارات السلام، إذ أدرك العالم والاحتلال أن مصر لن تفرّط فى حبة رمل واحدة، وأن القوة العسكرية المصرية قادرة على فرض واقع جديد.
وبعد توقف المدافع بدأت معركة من نوع آخر لا تقل ضراوة، هى معركة الدبلوماسية. قاد الرئيس الراحل محمد أنور السادات مسارًا شجاعًا بدأ بزيارة القدس، وصولًا إلى معاهدة السلام فى عام ١٩٧٩. ولقد واجهت الدولة المصرية ضغوطًا هائلة، داخلية وإقليمية، لكن الهدف كان واضحًا، التحرير الشامل. وبموجب الجدول الزمنى للانسحاب، بدأت القوات الإسرائيلية فى الانسحاب من سيناء على مراحل، بدأت من خط العريش- رأس محمد، ثم من المناطق الوسطى، وتم الانسحاب النهائى فى ٢٥ أبريل ١٩٨٢.
وفى هذا اليوم التاريخى، رفع الرئيس الراحل حسنى مبارك العلم المصرى فوق مدينتى رفح وشرم الشيخ، معلنًا للعالم أجمع عن أن سيناء عادت لحضن الوطن، باستثناء طابا التى خضعت لملحمة تحكيم دولى قانونى فريدة، انتهت برفع العلم فوقها فى مارس ١٩٨٩.
إن ذكرى التحرير ليست مجرد احتفال بالماضى، بل وقفة لتقييم الحاضر والمستقبل. لسنوات طويلة عانت سيناء من الفراغ التنموى الذى استغلته قوى الظلام والإرهاب. ولكن، فى العقد الأخير، تبنت الدولة المصرية رؤية جديدة تقوم على مبدأ التنمية هى السلاح الأقوى لمواجهة الإرهاب. واستطاع الرئيس عبدالفتاح السيسى، من خلال محاور التنمية الشاملة، أن يربط سيناء بالوادى، من خلال إنشاء الأنفاق العملاقة تحت قناة السويس، ما ينهى عزلتها الجغرافية. وتم إنشاء بنية تحتية عملاقة من شبكة طرق عالمية ومحطات لتحلية المياه، ومجمعات سكنية وزراعية تهدف لجذب ملايين المصريين للعيش والعمل فى أرض الفيروز. كما تم إنشاء جامعات حديثة، مثل جامعة الملك سلمان لتأهيل جيل جديد من أبناء سيناء والمصريين لقيادة قاطرة التنمية.
وبينما نحتفل بذكرى التحرير، نستذكر شهداء الوطن من أبطال القوات المسلحة والشرطة، الذين خاضوا فى السنوات الأخيرة معركة تطهير سيناء من الإرهاب. هؤلاء الأبطال هم الامتداد الطبيعى لجيل أكتوبر ١٩٧٣، فقد سالت دماؤهم على نفس الرمال ليظل العلم المصرى خفاقًا.
كما لا ننسى أهالى سيناء الشرفاء، الذين كانوا دائمًا السند والظهير الشعبى للقوات المسلحة فى كل الحروب والمعارك، والذين يمثلون اليوم حائط الصد الأول ضد أى محاولة للعبث بأمن هذه البقعة الغالية.
إن ذكرى ٢٥ أبريل هى رسالة لكل شاب مصرى بأن الحقوق لا تضيع ما دام وراءها مطالب قوى. هى تذكير بأن السلام لا يُصنع إلا بالقوة، وأن الحفاظ على الأرض يتطلب وعيًا وتكاتفًا ومواصلة لمسيرة البناء.
سيناء اليوم ليست مجرد جبال شاهقة وشواطئ ساحرة، بل رمز للإرادة المصرية التى لا تنكسر، ومستقبل واعد ينتظر أن تكتمل فيه ملامح الجمهورية الجديدة على أرض مباركة، ستبقى دائمًا وأبدًا مصرية الهوية، عزيزة المنال.
كل عام ومصر وجيشها وشعبها بخير، وسيناء فى أمن وأمان.

















0 تعليق