في لحظة يتدفق فيها إيقاع العالم نحو الرقمنة، تأتي الدراسة التي نشرت فى مجلة "عالم الكتب" الصادرة عن دار ثقيف للنشر بالمملكة العربية السعودية
مؤخرا للباحث الدكتور( حسام الضمراني)، لتفتح نافذة جادة على سؤال لم يعد ترفًا ثقافيًا: ماذا بعد الكتاب الورقي؟ وكيف يعيد النشر الرقمي تشكيل علاقتنا بالمعرفة؟ ليس بوصفه بديلًا تقنيًا فحسب، بل باعتباره لحظة فاصلة في تاريخ تداول الأفكار.
بعد اطلاع على الدراسة،وجدتها تنطلق من فكرة أساسية مفادها أن النشر الرقمي لم يعد مجرد أداة، بل أصبح منظومة ثقافية واقتصادية متكاملة، لها أدواتها، وجمهورها، وقواعدها الجديدة. وهي في ذلك لا تكتفي بالرصد، بل تمضي خطوة أبعد نحو الاستشراف، عبر منهج علمي يستند إلى خبرات ميدانية ورؤى متخصصة، ما يمنحها قدرًا من التماسك والجدية في قراءة المستقبل.
وقد انطوت أهمية هذه الدراسة على كونها تعيد تعريف “صناعة الكتاب” ذاتها. فالنشر لم يعد عملية خطية تبدأ بالمؤلف وتنتهي بالقارئ، بل أصبح شبكة تفاعلية متعددة الأطراف، تتداخل فيها المنصات الرقمية، وخوارزميات التوصية، وأنماط الاستهلاك الجديدة. وهنا يتراجع مفهوم “الكتاب كمنتج ثابت” لصالح “النص كخبرة متجددة”، قابلة للتحديث والتفاعل وإعادة التشكيل.
وتكشف الدراسة، ضمنيًا، عن تحوّل جوهري من “ثقافة الامتلاك” إلى “ثقافة الوصول”. لم يعد القارئ في حاجة إلى رفوف مكتظة بقدر ما يحتاج إلى نافذة مفتوحة على المعرفة. هذا التحول، على بساطته الظاهرة، يحمل في داخله إعادة توزيع عميقة للسلطة الثقافية، حيث لم تعد دور النشر وحدها هي البوابة الحصرية للعبور إلى الجمهور.
ومن هنا تبرز إحدى أهم زوايا القوة فيها: طرحها لسؤال العدالة الثقافية. فالنشر الرقمي يتيح فرصًا أوسع لظهور أصوات جديدة، ويمنح الكُتّاب الشباب مساحة لم تكن متاحة في النماذج التقليدية. لكنه، في الوقت ذاته، لا يضمن بالضرورة تكافؤ الفرص؛ إذ تظل الفجوة الرقمية، ومستويات الوعي، والبنية التحتية، عوامل حاسمة في تحديد من يُسمع صوته ومن يظل خارج المشهد.
وعلى الجانب الآخر، لا تتغافل الدراسة عن التحديات. فسهولة النشر قد تتحول إلى عبء إذا لم تقترن بمعايير جودة واضحة. وهنا تبرز إشكاليات الملكية الفكرية، وموثوقية المحتوى، وهي قضايا لا تزال تبحث عن أطر تنظيمية حاسمة في العالم العربي. فبين اتساع الإتاحة وخفوت الضبط، يقف القارئ أمام وفرة قد تكون مُربكة بقدر ما هي مُغرية.
اللافت أن الدراسة لا تقع في فخ الانبهار بالتكنولوجيا، بل تحافظ على مسافة نقدية واعية. فهي تدرك أن التحول الرقمي، رغم ضرورته، لا يعني بالضرورة تعميق الوعي، بل قد يقود – إذا غابت الرؤية – إلى تسطيح المعرفة وتحويل القراءة إلى استهلاك سريع يفتقر إلى التأمل. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك التكنولوجيا، بل في كيفية توظيفها ثقافيًا.
وإذا كان السياق العالمي قد قطع شوطًا واسعًا في هذا التحول، فإن التجربة العربية لا تزال في طور التشكّل، وهو ما يمنح هذه الدراسة قيمة إضافية بوصفها محاولة لقراءة الواقع المحلي بعين مستقبلية. فهي لا تطرح إجابات نهائية، بقدر ما تفتح أفقًا للتفكير، وتدعو إلى إعادة صياغة دور المؤسسات الثقافية، من دور الحارس إلى دور الشريك في إنتاج المعرفة.
ولعل الإضافة الأهم التي يمكن استخلاصها من هذه الدراسة، أنها تضعنا أمام مسئولية مزدوجة: مسئولية الحفاظ على جوهر القراءة كفعل معرفي عميق، ومسئولية الانخراط الواعي في أدوات العصر. فالمعادلة لم تعد بين الورقي والرقمي، بل بين السطحية والعمق، بين الاستهلاك والإنتاج.
في مختتم الطرح لايسعني سوى أن أقول إن الباحث د.الضمراني لم يقف بدراسته عند حدود التحليل فقط، بل تجاوزها إلى التحريض الفكري. إنها تذكّرنا بأن مستقبل النشر لن يُفرض علينا بقدر ما سنسهم نحن في تشكيله. وبين شاشة تضيء وكتاب يُقلّب، يبقى السؤال مفتوحًا: كيف نقرأ… ولماذا؟ وهنا فقط، يبدأ المعنى الحقيقي لأي تحوّل.
ازجي التهنئة لصاحب هذه الدراسة القيمة والمهمة، في آن معا،د.حسام الضمراني هذا الباحث الجاد الواعد في مجال لايتعمق فيه الكثير من الباحثين تجنبا لوعورته ومشقة سبر اغواره.

















0 تعليق