شهد أتيليه القاهرة، مساء اليوم، انطلاق فعاليات حفل تأبين الشاعر الراحل محمد سليمان، وسط حضور لافت لعدد من الشعراء والكتّاب والنقاد، الذين اجتمعوا لاستعادة تجربة شاعرٍ وُصف بأنه “عاش للشعر أكثر مما عاش لذاته”، وترك بصمة خاصة في المشهد الشعري المصري المعاصر.

وشارك في الحفل عدد من رموز الحركة الشعرية، من بينهم: جمال القصاص، حسن طلب، عماد الغزالي، عبد المنعم رمضان، عبد المقصود عبد الكريم، نجاة علي، وأحمد طه، في أمسية طغى عليها الطابع التأملي واستحضار التجربة الإبداعية للشاعر الراحل.
جمال القصاص: شاعر استعصى على الرثاء
في مستهل الحفل، قدّم الشاعر جمال القصاص كلمة مؤثرة، قال فيها إن محمد سليمان “استعصى على الرثاء”، موضحًا أنه كان يكتب وكأنه يرثي نفسه منذ وقت مبكر داخل قصائده، إذ عاش الحياة “بمحبة طفل يعشق الشعر ويعتبره بيته الأول وصخرته الصامدة في مواجهة الزمن والمحن”.
وأضاف القصاص أن الديوان الأخير للشاعر الراحل يمثل “مرثية كبرى” تختزل تجربته الشعرية والإنسانية، مشيرًا إلى أن سليمان “كان يحتفي بالحياة حتى في لحظات الانكسار”، وأن الاحتفاء به اليوم هو احتفاء بروح الشعر ذاتها.

أحمد حسن: شاعر مختلف.. زهد في الضوء وانحاز للقصيدة
من جانبه، قال الشاعر أحمد حسن إن محمد سليمان ظل “صوتًا مميزًا” في المشهد الشعري، مشيرًا إلى أن قصائده كانت “تحلّق من الماء إلى الماء”، في إشارة إلى انسيابية تجربته وعمقها.
واستعاد أحمد حسن سنوات من القرب الشخصي من الشاعر الراحل منذ عام 2005 وحتى 2020، عبر صالون الشاعر الراحل محمد عبد المطلب، موضحًا أن سليمان كان حاضرًا بروح أبوية داعمة للشعراء والنقاد الشباب، رغم تحفظه الدائم على الظهور.
وأضاف أن الراحل كان “زاهدًا في تسويق شعره”، وغالبًا ما كان يتعامل بفتور مع الدعوات لإلقاء قصائده، لكنه في المقابل كان يحمل “نبل الشاعر الحقيقي وكرامته”.

بين جيل الستينيات ووعي القصيدة
وأشار أحمد حسن إلى أن تجربة محمد سليمان الشعرية كانت قريبة من روح جيل الستينيات، من حيث الانشغال بالإنسان والهمّ الوجودي، مع حرص واضح على بناء علاقة حقيقية بين الشاعر والقارئ بعيدًا عن النخبوية.
كما لفت إلى أن سليمان كان شديد الانضباط في كتابته، متأثرًا بتجارب شعرية كبرى، من بينها تجربة أمل دنقل في “بلاغة الحذف”، مؤكدًا أنه كان يكتب بوعي انتقائي صارم، لا يؤمن بأسطورة “الشاعر الملهم المطلق”، على عكس التصورات الرومانسية التقليدية التي رسّختها بعض المدارس الشعرية.

شهادة على شاعر استثنائي
اتفق الحضور في مجمل كلماتهم على أن محمد سليمان كان شاعرًا مختلفًا، لا يلهث وراء الأضواء، بل يراهن على النص وحده، تاركًا قصيدته لتقوم بدور الشاهد على تجربته الإنسانية والفكرية.
واختتمت الأمسية في أجواء امتزج فيها الحنين بالشعر، حيث بدا التأبين أقرب إلى استعادة حيّة لصوت شعري ما زال حاضرًا في ذاكرة أصدقائه وقرّائه، رغم الغياب الجسدي.



















0 تعليق