الثلاثاء 21/أبريل/2026 - 01:45 م 4/21/2026 1:45:03 PM
في كتابه الأحدث، يقرر الشاعر والباحث إبراهيم عبد الفتاح ألا يكتب سيرة ذاتية تقليدية لزياد رحباني، بل يختار المسار الأصعب وهو "تفكيك الظاهرة". زياد ليس مجرد ملحن أو مسرحي مر عابرًا في تاريخ الفن العربي، بل هو حالة اشتباك دائم ومؤلم مع الواقع، والسياسة، والذاكرة اللبنانية المثقوبة. يأتي هذا الكتاب كقراءة نقدية ووجدانية تغوص في أعماق "الابن العاق" ــ بالمعنى الإبداعي والمتمرد ــ للمدرسة الرحبانية الكلاسيكية، ليقدم لنا صورة بانورامية لفنان لم يرضَ يومًا بالحلول الوسط حيث تمرد علي الفيروزيات وصناعة الواقعية، يبدأ إبراهيم عبد الفتاح برصد تلك اللحظة المفصلية التي قرر فيها زياد أن يخرج من جلباب والده عاصي وعمه منصور. لم يكتفِ زياد بوراثة المجد، بل قرر تهشيم الصورة المثالية للضيعة اللبنانية الحالمة، تلك الصورة التي رسمتها السيدة فيروز بصوتها لسنوات. وضع زياد مكانها "البوسطة" بكل زحامها وضجيجها، و"الراديو" الذي ينقل أخبار القصف والموت.
الكتاب يحلل ببراعة كيف نقل زياد الأغنية من سماء الملائكية إلى أرض الشارع، مستخدمًا "السايكودراما" في مسرحياته الخالدة مثل "بالنسبة لبكرة شو؟" و"نزل السرور". لم يكن زياد يكتب مسرحًا للترفيه، بل كان يمارس عملية تعرية كاملة لزيف الطبقة المتوسطة وتناقضاتها الصارخة، محولًا خشبة المسرح إلى مشرحة نفسية للمجتمع العربي وقت الحرب.
الموسيقى كفعل سياسي واجتماعي
أحد أهم فصول الكتاب هو الذي يتناول فيه المؤلف علاقة زياد بموسيقى "الجاز". يشرح عبد الفتاح كيف لم يكن الجاز عند زياد مجرد "تغريب" أو محاكاة للموسيقى الغربية، بل كان لغة للحرية والارتجال المنظم في زمن الفوضى. زياد الذي "شَرّق" الجاز و"غَرّب" المقامات العربية، خلق حالة من التوتر الموسيقي تشبه تمامًا حالة الحرب الأهلية التي عاصرها
ويوضح الكتاب أن موسيقى زياد لم تكن ترفًا، بل كانت سلاحًا سياسيًا في وجه القمع والفساد، مع الاحتفاظ بمسحة السخرية السوداء (Black Comedy) التي تميزه. هو الفنان الذي جعلنا نضحك على مآسينا لدرجة البكاء، مستخدمًا الحوار اليومي البسيط ليصيغ منه أعقد الجمل اللحنية
ثنائية "فيروز وزياد": صراع القمة والتحرر
لا يمكن الحديث عن زياد دون المرور بمحطة السيدة فيروز. يتوقف إبراهيم عبد الفتاح عند هذه العلاقة المركبة؛ فمن جهة هناك "القدسية" الفيروزية، ومن جهة أخرى "العبث" الزيادي. الكتاب يحلل كيف نجح زياد في إعادة تقديم صوت فيروز في قوالب موسيقية حديثة صدمت الجمهور التقليدي في البداية، خاصة في ألبومات مثل "وحدن" و"معرفتي فيك". هذه التجربة لم تكن مجرد تجديد فني، بل كانت مغامرة لفك الارتباط بين صوت فيروز والنمطية الرحبانية القديمة، لإثبات أن هذا الصوت قادر على استيعاب الحداثة بكل قسوتها.
بأسلوب أدبي رشيق يمزج بين النقد الفني والتحليل النفسي، ينجح إبراهيم عبد الفتاح في أن يجعلنا نرى زياد الإنسان؛ الخائف، المنعزل، والمهموم بتفاصيل قد تبدو تافهة للبعض لكنها تمثل صلب الوجود. الكتاب ليس مجرد مديح في فنان كبير، بل هو دراسة في سيكولوجية الإبداع، وكيف يمكن للعبقرية أن تظل صامدة في وجه الانهيارات الكبرى.
هذا الكتاب يمثل مرجعًا لكل مهتم بكيفية صناعة الفن بوعي سياسي، ولأولئك الذين يدركون أن زياد رحباني هو "المتمرد الأخير" الذي علمنا أن الفن الحقيقي هو الذي يجرؤ على أن يكون مرآة مشروخة لواقع أكثر انكسارًا.














0 تعليق