أجرت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، جولة موسعة في محافظتي قنا وأسوان على مدار يومين، كشفت خلالها عن ملامح رؤية جديدة لإعادة تشكيل الدور الثقافي في صعيد مصر، عبر الانتقال من منطق “إدارة المنشآت” إلى “بناء منظومة ثقافية متكاملة” تقوم على الوصول، والتفاعل، والعدالة.
وشملت الجولة تفقد عدد من قصور الثقافة والمكتبات، والمشاركة في فعاليات مجتمعية، لم تكن مجرد متابعة لسير العمل، بل بدت كاختبار حقيقي لقدرة المؤسسات الثقافية على مواكبة متطلبات الدولة الحديثة، التي تضع “بناء الإنسان” في صدارة أولوياتها.
في قنا، كان المشهد واضحًا: توجيهات مباشرة بإنشاء تطبيق إلكتروني يربط الجمهور بالفعاليات، وتوفير خدمة الإنترنت المجاني داخل قصر الثقافة، في خطوة تعكس إدراكًا لأهمية التحول الرقمي كوسيلة لتعزيز المشاركة الثقافية.
هذه الخطوة، رغم بساطتها الظاهرية، تحمل بعدًا عميقًا، إذ تنقل الثقافة من فضاء النخبة إلى المجال العام المفتوح، وتكسر الحواجز التقليدية بين المؤسسة والجمهور.
ولم تتوقف الرؤية عند البنية التكنولوجية، بل امتدت إلى مضمون الفعل الثقافي ذاته، حيث شددت الوزيرة على ضرورة التنسيق مع شباب الجامعات، وتحويل قصور الثقافة إلى منصات حقيقية لاكتشاف المواهب ورعايتها، بدلًا من بقائها كمبانٍ جامدة تفتقر إلى الحيوية.
كما أولت اهتمامًا خاصًا بتقييم تجربة “سينما الشعب”، من حيث المحتوى والتسويق ومدى رضا الجمهور، وهو ما يعكس توجهًا نحو قياس الأثر، لا الاكتفاء بتنفيذ الأنشطة.
زيارة مكتبة الطفل والشباب بمنطقة المعنى بقنا، أضافت بعدًا آخر للجولة، إذ سلطت الضوء على الاستثمار في الأجيال الجديدة، باعتبارها الركيزة الأساسية لأي مشروع تنويري. من خلال متابعة الأنشطة التفاعلية والبرامج التعليمية، والتواصل المباشر مع الأطفال، بدا واضحًا أن الوزارة تتجه نحو ترسيخ مفهوم الثقافة كأداة لبناء الوعي والانتماء، وليس مجرد نشاط ترفيهي.
أما المشاركة في احتفالية يوم اليتيم، فقد كشفت عن بعد اجتماعي مهم في التحرك الثقافي، حيث أكدت الوزيرة على دور الثقافة في دعم الفئات الأولى بالرعاية، وربطت بين العمل الثقافي والعمل الأهلي، في نموذج يعكس تكامل الأدوار بين الدولة والمجتمع المدني.
وفي أسوان، اتخذت الجولة طابعًا أكثر حسمًا، خاصة فيما يتعلق بملف البنية التحتية، توجيهات واضحة بجدول زمني محدد لاستلام قصر ثقافة أسوان بعد تطويره، لا يتجاوز ستة أشهر، مع التشديد على إنهاء الإجراءات الفنية والأمنية، تعكس رغبة في كسر دوائر التأجيل المزمنة التي عطلت عددًا من المشروعات الثقافية.
كما حملت زيارة قصر ثقافة العقاد دلالة رمزية مهمة، إذ لم تقتصر على التفقد، بل تضمنت رؤية لتحويله إلى مركز إشعاع ثقافي وسياحي، يربط بين التراث والإبداع، ويستثمر القيمة الرمزية للأديب الكبير عباس محمود العقاد في جذب الجمهور وإحياء المكان.
وفي خطوة تحمل بعدًا جماهيريًا، وجهت الوزيرة بإهداء “سينما الشعب” لأهالي أسوان، مع تشغيلها على مسرح فوزي فوزي المكشوف، وهو ما يعكس توجهًا نحو تعميم العدالة في الخدمات الثقافية والترفيهية، خاصة في المحافظات التي ظلت لسنوات بعيدة عن هذه المبادرات.
اللقاء مع محافظ أسوان، المهندس عمرو لاشين، كشف عن جانب استراتيجي في الجولة، حيث تم بحث سبل دمج الثقافة في خطط التنمية والسياحة، والاستفادة من المواقع الثقافية كمحركات اقتصادية، سواء من خلال الفعاليات أو دعم الصناعات التراثية والحرفية، وهو ما يعيد تعريف الثقافة كقطاع منتج، لا مجرد عبء على الموازنة.
قراءة هذه الجولة تكشف عن ثلاثة محاور رئيسية تحكم التحرك الحالي لوزارة الثقافة في الصعيد: أولها، إعادة تأهيل البنية التحتية وتسريع وتيرة إنجاز المشروعات المتعثرة، ثانيها، تطوير المحتوى الثقافي وربطه باحتياجات الجمهور، خاصة الشباب والأطفال، ثالثها، توسيع دائرة التأثير عبر الشراكة مع المحافظات والمجتمع المدني، وربط الثقافة بالتنمية الاقتصادية والسياحية.
أما على المستوى التوعوي والتنويري، فإن التركيز على الأطفال والشباب، وتفعيل الأنشطة التفاعلية، وإتاحة الخدمات بشكل أوسع، يشير إلى محاولة جادة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة الثقافية، بعد سنوات من التراجع في معدلات الإقبال.
في المجمل، تبدو جولة وزيرة الثقافة في الصعيد خطوة مهمة نحو إعادة الاعتبار للدور الثقافي خارج المركز، ومحاولة لكسر مركزية القاهرة، عبر ضخ اهتمام حقيقي في المحافظات، ليس فقط على مستوى التصريحات، بل من خلال قرارات وتوجيهات قابلة للقياس والتنفيذ، ويبقى التحدي الحقيقي في ترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس، واستمرار المتابعة لضمان تنفيذ ما تم الإعلان عنه، لكن المؤكد أن ما جرى في قنا وأسوان خلال اليومين الماضيين، يعكس بداية مختلفة، قد تعيد رسم ملامح المشهد الثقافي في الجنوب.
















0 تعليق