فى سالفِ العصور، حين كان البشرُ يمشون بين ظلالِ الآلهة ووحوشِ الأساطير، ارتفع جبلٌ مهيب يُسمّى جبلَ البلّور. وقيل إنّ فى قمّتِه عينًا خفيّةً تُبكى دمعةً واحدة كلَّ مئة عام، دمعةً قادرةً على شفاءِ كلِّ داء، ومنحِ من يشربها قوّةً تعلو على الملوك والبشر.
غير أنّ تلك الدمعة لم تكن عطيةً باردة، بل امتحانًا قاسيًا، أُحيط باللّعنات وحُرّاس الحجر والنار، فلا يبلغها إلا قلبٌ نقىّ.
كان هناك فتى يُدعى نيراف، ابنُ صيّادٍ فقير، قد أثخن المرضُ جسدَ أمِّه حتى ذبلت كغصنٍ يابس. لم يبتغِ مُلكًا ولا سلطانًا، إنما ابتغى لها حياةً جديدة. شدَّ عصاه إلى كتفه، وحمل خبزًا يابسًا زادًا، وانطلق نحو الجبل.
اعترضتْه فى الطريق تماثيلُ حجرية انبعثت من التراب، فسدتْ عليه المسلك. صاح متحديًا:
«إن كنتم حجارةً جامدة، فحُبّ أمى أصلبُ منكم!»
فضرب الأرض بعصاه، فانصدعت التماثيل كأنها غبارٌ هارب.
ثم انقضّت عليه طيورٌ نارية ترفرف أجنحتُها كالجمر. فانتزع كسرةَ خبزٍ من جرابه وألقاها فى الفضاء، فانجذبت إليها الطيورُ وانطفأ لهيبُها إذ لامست فتاتَ الخبز الممزوج بعرقِ جهده، فنجا ومضى.
بلغ نيراف القمّة بعد وعثاء، فإذا بالدمعة متجمّدة كجوهرةٍ مضيئة على صخر البلّور. وأمامها جلس كاهنٌ أشيبُ اللحية، عصاه مغروسة فى الأرض.
قال بصوتٍ عميق:
ـ «قف أيها الفتى. إنّ هذه الدمعة امتحانٌ، لا ماءٌ يُرتشف. من حملها بقلبٍ أنانى، جرى فى عروقه جمرٌ قاتل. فلمن جئت بها؟»
اضطرب قلب نيراف، وتصارعت خواطره:
«لو شربتُها بنفسى، صرتُ أقوى من الملوك.. أُغيّر وجه العالم.. لكن أمى؟ أأدعها للفناء؟»
رفع رأسه بعزم وقال:
ـ «لم أغادر بيتى إلا لأجلها. دمعتها عندى أعظمُ من ألف عرش».
ابتسم الكاهن، وضرب عصاه فى الأرض، فإذا بالدمعة تذوب وتفيض نورًا، تتحوّل إلى شلالٍ من ضياءٍ يغمر القمّة. خرَّ نيراف ساجدًا، يغترف النور بين كفّيه، وعاد به إلى أمه.
ارتشفت الأم ذلك النور، فدبّت الحياة فى عروقها، وزال السقم عن محيّاها. وفى اللحظة عينها ارتجف الجبل، وتفتّت حتى صار رمادًا يتلاشى مع الريح.
سمع نيراف فى نومه صوت الكاهن يهمس:
«لقد انتهت مهمّة الجبل، إذ وُجد من فضّل الحبَّ على الطمع».
ومنذ ذلك اليوم، لم يُرَ جبل البلّور ولا دمعتُه، إلا فى الحكايات التى يتناقلها الناس.
أما نيراف، فغدا ذكرُه خالدًا: آخرَ من لمس دمعةَ الجبل، الفتى الذى اختار قلب أمِّه على جميع قوى الأرض.

















0 تعليق