قضية ضبط الأسواق أحد أكثر الملفات سخونة وحيوية على رأس اهتمامات الدولة المصرية، فى ظل التحديات الاقتصادية العالمية التى ألقت بظلالها على سلاسل الإمداد وأسعار السلع الأساسية.
وفى هذا السياق جاء تشديد الرئيس عبدالفتاح السيسى المتكرر على ضرورة التصدى بحسم للممارسات الاحتكارية وتلاعب التجار الجشعين بالأسعار ليعكس إدراكًا عميقًا بأن استقرار المجتمع يبدأ من تأمين قوت المواطن وحمايته من الاستغلال. إنها ليست مجرد مهمة رقابية، بل هى معركة وجودية تهدف إلى حماية الطبقات المتوسطة والأكثر احتياجًا من أنياب التضخم.
عندما يتحدث الرئيس السيسى عن ضبط الأسواق فإنه ينطلق من رؤية شاملة تربط بين الاستقرار الاقتصادى والأمن القومى. فالجشع التجارى ليس مجرد سلوك فردى يسعى للربح، بل هو ممارسة تخريبية تؤدى إلى خلق حالة من السخط والارتباك فى الشارع. ومن هنا كانت توجيهات القيادة السياسية للحكومة والأجهزة الرقابية واضحة، وهى أنه لا تهاون مع من يتلاعب بأسعار السلع أو يخفيها عن المواطنين.
هذا التشديد الرئاسى يضع الحكومة أمام مسئولية مضاعفة، إذ يتطلب الأمر تضافر جهود وزارة التموين، وجهاز حماية المستهلك، ومباحث التموين، جنبًا إلى جنب مع دور المحافظين فى المتابعة الميدانية اليومية. الهدف هو خلق منظومة رقابية ذكية لا تكتفى برد الفعل، بل تستبق الأزمات من خلال توفير مخزون استراتيجى آمن يكسر حدة أى احتكار.
ولم تقتصر استراتيجية الدولة التى وجّه بها الرئيس على الجانب العقابى فقط، بل شملت مسارات متوازية لضمان التوازن داخل السوق. وهنا لا بد من تفعيل القوانين التى تغلّظ العقوبة على محتكرى السلع الاستراتيجية، مع التأكيد على سرعة البت فى القضايا التموينية لردع كل من تسول له نفسه التلاعب ببطاقات التموين أو حجب السلع عن التداول.
وكانت المبادرات الرئاسية، مثل «كلنا واحد» ومنافذ «أمان» و«الخدمة الوطنية»، بمثابة حائط الصد الأول. هذه المنافذ تقدم السلع بأسعار مخفضة وتقلل من حلقات التداول الوسيطة التى ترفع السعر النهائى، ما يجبر التاجر الجشع على خفض أسعاره للمنافسة.
إن التجار الجشعين هم فئة اختارت تعظيم أرباحها على حساب استقرار الوطن. هؤلاء يستغلون الأزمات العالمية كذريعة لرفع الأسعار بشكل غير مبرر، أو يقومون بتخزين السلع لتعطيش السوق ثم طرحها بأسعار مضاعفة. هذا النوع من السلوك يتطلب ما هو أكثر من مجرد غرامات، إنه يتطلب وعيًا مجتمعيًا برفض التعامل مع المستغلين، وتفعيل ثقافة المقاطعة وتكثيف البلاغات ضد المخالفين. والدولة هنا تتحرك بصفتها المدافع عن التوازن، لضمان أن تظل السلع الأساسية فى متناول الجميع، وليس فقط من يملك القدرة المالية العالية.
ولا يمكن فصل جهود ضبط الأسواق عن المشروعات القومية التى رعاها الرئيس السيسى فى مجال اللوجستيات. فبناء الصوامع الحديثة لتخزين القمح، وتدشين المراكز اللوجستية الكبرى، وتطوير شبكة الطرق، كلها عوامل تصب فى مصلحة ضبط السعر. فالطرق الجيدة تقلل من تكلفة النقل، والصوامع الحديثة تمنع الفاقد من الحبوب، ما ينعكس إيجابًا على السعر النهائى للمستهلك. إنها منظومة متكاملة تبدأ من الإنتاج وتنتهى بالرقابة على الرف فى المحل التجارى. إن نجاح الدولة فى تنفيذ توجيهات الرئيس يعتمد بشكل كبير على وعى المواطن، فالجشع يزدهر فى غياب الرقابة الشعبية، ولذلك كان التشديد دائمًا على أهمية قيام المواطنين بالإبلاغ عن أى مخالفات عبر الخطوط الساخنة لجهاز حماية المستهلك. إن تلاحم الشعب مع قيادته وأجهزته الرقابية هو الضمانة الوحيدة لقطع الطريق على تجار الأزمات. ويمثل تشديد الرئيس السيسى على ضبط الأسواق رسالة طمأنة للمواطن المصرى بأن الدولة حاضرة بقوة، وأن رغيف الخبز وسلعتى الزيت والسكر خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
إن المعركة ضد الجشع هى جزء لا يتجزأ من مسيرة البناء والتنمية فى الجمهورية الجديدة. فالبناء لا يكتمل إلا بحماية الإنسان من الاستغلال، وتحقيق العدالة الاجتماعية فى أبسط صورها، من خلال سوق منضبطة وسعر عادل وحياة كريمة لكل مصرى.

















0 تعليق