انطلق مؤتمر برلين في العاصمة الألمانية وسط حضور دولي واسع تزامناً مع دخول الصراع في السودان عامه الرابع الدامي، حيث اجتمعت القوى الكبرى والمنظمات الإنسانية للبحث عن مخرج للأزمة الكارثية.
هدف الاجتماع إلى حشد التعهدات المالية ودعم جهود السلام المتعثرة، في محاولة لإنقاذ ملايين المدنيين الذين يواجهون أسوأ أزمة نزوح وجوع في التاريخ الحديث، وسط غياب طرفي الصراع الرئيسيين عن طاولة المفاوضات.
حسب تقرير لـ «وكالة الصحافة الفرنسية» و«رويترز»، فقد شهدت أروقة المؤتمر نقاشات حادة حول فجوة التمويل الإنساني الهائلة التي تعاني منها العمليات الإغاثية في السودان حالياً. شارك في رعاية هذا الحفل الدبلوماسي الكبير كل من ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية والإنسانية التي توليها هذه الأطراف لاستقرار القارة الأفريقية برمتها.
يعد هذا اللقاء هو الثالث من نوعه دولياً بعد اجتماعين سابقين عُقدا في باريس ولندن، حيث يسعى المجتمع الدولي لاستعادة الزخم المفقود تجاه القضية السودانية. كانت باريس قد نجحت سابقاً في جمع نحو ملياري يورو، بينما توقفت تعهدات لندن عند عتبة المليار، مما يضع ضغوطاً إضافية على العاصمة الألمانية لتحقيق اختراق مالي حقيقي يوازي حجم المأساة المتفاقمة التي يعيشها السودانيون.
أزمة دبلوماسية وسيادة وطنية تتصدر المشهد
رغم الأهداف الإنسانية المعلنة، غاب عن الاجتماع ممثلو القوات المسلحة السودانية والحكومة الموالية لها، وكذلك وفد قوات الدعم السريع، مما أثار تساؤلات حول جدوى المخرجات السياسية. اعتبر مراقبون أن هذا الغياب يعكس عمق الهوة بين الفاعلين الدوليين والأطراف المتحاربة على الأرض، وهو ما قد يعيق تنفيذ أي اتفاقيات تتعلق بفتح الممرات الآمنة أو وقف إطلاق النار الدائم في البلاد.
وجهت الحكومة السودانية انتقادات لاذعة للخطوة الألمانية قبل بدء الفعاليات، واصفة استضافة الاجتماع دون التنسيق معها بأنه تدخل غير مقبول في شؤونها الداخلية السيادية. أكدت وزارة الخارجية السودانية في بيان رسمي أن تجاهل الرؤية الوطنية ومؤسسات الدولة الرسمية يعيد إلى الأذهان حقبة الوصاية الاستعمارية، مشددة على أن أي جهود إنسانية يجب أن تمر عبر القنوات الرسمية المعترف بها دولياً لضمان فعاليتها.
أضاف البيان الصادر عن الخارجية أن محاولة بعض الدول الغربية فرض أجندتها الخاصة تحت غطاء العمل الإنساني تضعف الثقة بين الخرطوم والمجتمع الدولي في هذا التوقيت الحساس. استغربت السلطات السودانية استبعادها من مشاورات التحضير، معتبرة أن هذا النهج يتجاهل تضحيات الشعب السوداني ومؤسساته التي تكافح للحفاظ على كيان الدولة في ظل ظروف الحرب القاسية التي دمرت البنية التحتية والمنظومة الاقتصادية.
في المقابل، أكد منظمو مؤتمر برلين أن الهدف الأساسي هو تخفيف معاناة المدنيين وتوفير الغذاء والدواء لمن هم في أمس الحاجة إليه بعيداً عن التجاذبات السياسية المعقدة. يرون أن الحالة الإنسانية وصلت إلى مستوى من التدهور لا يسمح بانتظار التوافقات السياسية الكاملة، خاصة مع تقارير تؤكد تفشي الأوبئة والمجاعة في مناطق واسعة من دارفور وكردفان والخرطوم، مما يتطلب تحركاً دولياً عاجلاً وفورياً.
تعهدات مالية وسباق مع الزمن لإنقاذ الملايين
دعا رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمد علي يوسف، في كلمته الافتتاحية إلى ضرورة تسليط الضوء الإعلامي العالمي على الكارثة الإنسانية التي يمر بها السودان بعيداً عن صراعات العالم الأخرى. شدد يوسف على أن التجاهل الدولي لما يحدث في أفريقيا قد يؤدي إلى عواقب وخيمة تتجاوز حدود القارة، مطالباً المانحين بالوفاء بوعودهم السابقة وتقديم منح جديدة لدعم الاستجابة الطارئة للمنكوبين واللاجئين.
من جانبه، تحدث بيكا هافيستو، المبعوث الخاص للأمم المتحدة، عن الأهمية القصوى لتأمين وصول المساعدات إلى المناطق المحاصرة التي تعاني من انقطاع الإمدادات الحيوية والطبية منذ أشهر طويلة. أشار هافيستو إلى أن مؤتمر برلين يمثل الفرصة الأخيرة ربما لتفادي حدوث انهيار شامل في المنظومة الغذائية السودانية، محذراً من أن استمرار القتال سيجعل من عمليات الإغاثة مهمة مستحيلة حتى مع توفر التمويل المالي اللازم.
أظهرت بيانات الأمم المتحدة فجوة تمويلية مرعبة، حيث لم يتم تأمين سوى ستة عشر بالمائة فقط من الاحتياجات المطلوبة لعام ألفين وستة وعشرين، وهو رقم لا يغطي الحد الأدنى. يتطلع العاملون في المجال الإنساني إلى أن يسهم هذا التجمع الدولي في سد هذه الفجوة الكبيرة، خاصة مع تزايد عدد النازحين الذين فقدوا كل ممتلكاتهم وباتوا يعتمدون كلياً على ما تقدمه المنظمات الدولية من فتات.
أعلن وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، خلال الجلسات أن بلاده قررت تخصيص مائتين واثني عشر مليون يورو كمساعدات إنسانية إضافية لدعم الشعب السوداني في هذه المحنة القاسية. أوضح فاديفول أن برلين تدرك تماماً حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها كدولة مستضيفة، مشيراً إلى أن إجمالي ما قدمته ألمانيا منذ العام الماضي لمشاريع السودان ودول الجوار المتضررة تجاوز أرقاماً قياسية سابقة.
تحديات التمويل والمواقف الدولية المتباينة
أعرب فاديفول عن طموحه في أن تتجاوز التعهدات الكلية حاجز المليار دولار، متمنياً أن يتفوق مؤتمر برلين على ما حققه اجتماع لندن في العام المنصرم من نتائج مالية ودبلوماسية. أقر الوزير الألماني بأن التركيز الدولي منصب حالياً على صراعات أوكرانيا والشرق الأوسط، لكنه شدد على ضرورة عدم نسيان المأساة الأفريقية الكبرى التي تحصد أرواح الأبرياء بصمت يومياً في القرى والمدن السودانية المنسية.
انتقد الوزير الألماني تراجع حجم المساعدات الأمريكية مقارنة بالسنوات الماضية، واصفاً هذا التقلص بالأمر المؤسف الذي يؤثر سلباً على قدرة المنظمات الدولية في تنفيذ برامجها الحيوية الميدانية. يرى فاديفول أن الريادة الأمريكية في العمل الإنساني كانت دائماً صمام أمان للأزمات الكبرى، وأن غياب هذا الدور الفعال سيترك فراغاً كبيراً يصعب على الدول الأوروبية منفرداً تعويضه في المدى القريب أو البعيد.
رد مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، على هذه الانتقادات فور وصوله إلى مقر الاجتماع، مؤكداً أن واشنطن تظل المانح الأكبر والداعم الأول للشعب السوداني في مختلف المحافل الدولية. كشف بولس أن الولايات المتحدة قدمت أكثر من خمسمائة وتسعة وسبعين مليون دولار في العام الماضي، وقد تعهدت بالفعل بتقديم مائتي مليون دولار إضافية للعام الحالي لمواجهة شبح المجاعة المحدق بالبلاد.
أكد بولس في تصريحاته أن واشنطن تقف على مسافة واحدة من جميع أطراف النزاع ولا تنحاز لجهة ضد أخرى، بل تضع نصب عينيها مصلحة المواطن السوداني البسيط فقط. أضاف أن الجهود الأمريكية تتركز الآن على دعم آلية أممية فعالة لإنهاء القتال الذي دخل عامه الرابع، مع التركيز على حماية المدنيين وضمان وصول القوافل الإغاثية إلى إقليم دارفور والمناطق المتأثرة بالعمليات العسكرية.
صرخة تحذير من خذلان المجتمع الدولي للشعب
قالت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، إن اجتماع القوى الدولية في برلين يعد اعترافاً صريحاً بأن العالم قد فشل حتى الآن في حماية المدنيين السودانيين من ويلات الحرب والدمار. دعت كوبر إلى ممارسة أقصى درجات الضغط السياسي والدبلوماسي على الجنرالات المتحاربين لإجبارهم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات وتوقيع وقف فوري لإطلاق النار يحقن دماء الأبرياء ويعيد الأمل للملايين.
وصف توم فليتشر، المسؤول الأممي الرفيع، هذا المؤتمر بأنه اختبار حقيقي لضمير المجتمع الدولي وقدرته على الوفاء بالتزاماته الأخلاقية تجاه الشعوب التي تعاني من النزاعات المسلحة العنيفة. حذر فليتشر من أن تكرار المؤتمرات وإصدار البيانات الإنشائية دون تطبيق فعلي على الأرض سيعتبر طعنة في ظهر السودانيين، مشدداً على ضرورة وجود رؤية واضحة وشاملة لمستقبل البلاد ما بعد الحرب.
تشير التقارير الأممية المرعبة إلى أن نحو واحد وعشرين مليون شخص سقطوا بالفعل في براثن الجوع الحاد، مع رصد حالات مجاعة حقيقية في مناطق مثل الفاشر وكادوقلي. تضاعفت معدلات الفقر بشكل جنوني لتصل إلى سبعين بالمائة، مما جعل الطبقة الوسطى تختفي تماماً وتنضم إلى طوابير المنتظرين للمعونات الإغاثية في مشهد لم يألفه السودان عبر تاريخه المعاصر قبل اندلاع هذه الحرب.
منذ الخامس عشر من أبريل ألفين وثلاثة وعشرين، تسببت المواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع في مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من أحد عشر مليون نسمة داخلياً وخارجياً. ومع ختام مؤتمر برلين، يبقى السؤال معلقاً حول مدى قدرة هذه الأموال والتعهدات على وقف نزيف الدم، وهل ستنجح الدبلوماسية الدولية في فرض إرادة السلام على لغة الرصاص التي تمزق جسد الوطن.


















0 تعليق