اتقوا شر الفتن.. وتلك أخطرها

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الإثنين 13/أبريل/2026 - 10:34 ص 4/13/2026 10:34:42 AM

 

لا أخاف على وطني من محاولات الأعداء غرس بذور الخلافات بين جناحي الأمة بمسلميها ومسيحييها. وما تابعناه من كمية المعايدات والتهاني من المسلمين لإخوتهم من المسيحيين بالأمس،  واقعيا أو عبر وسائل التواصل بمناسبة عيد القيامة المجيد، خير دليل على ما أقول. ورغم أن كل محاولات أعداء الوطن باءت بالفشل الذريع بفضل الله رب المصريين جميعا ورب العالمين، إلا أن محاولاتهم لم تتوقف فيما مضى، ولا أتوقع لها أن تتوقف أو حتى تهدأ فيما هو آت، فذلك هو ديدن العدو وهدفه وأمله المستمر أن يبلغ مأربه ويصل إلى مبتغاه. لكنني لا أحسب أن أيا من أعداء مصر سيحقق شيئا من مخططاته طالما بقيت قياداتنا الدينية مسلمة ومسيحية على هذا القدر من الوعي والفهم والإدراك لقيمة الوحدة الوطنية، وطالما كانت أجهزة الدولة على هذا المستوى الراقي المهيأ لاستيعاب أي طارئ قد يأتي-لا قدّر الله -على غير توقع في مسيرة طويلة لوطن كبير بحجم مصر.

وهناك فتن كبرى نعيشها من حين لآخر، غير ما أشرنا إليه آنفا. فتن يتم تخليقها بفعل الجهل أو بدافع التآمر على أمن الوطن وسلامه الاجتماعي. من هذه الفتن فتن كروية مصطنعة بين مشجعي الفرق الجماهيرية، وتلك مسألة مللناها من كثرة ما اعتدناها وإن كانت قد استشرت لدرجة أنها طالت برذاذها قاعدة النخبة من كبار المثقفين وقادة الرأي، وهذا هو الخطر الذي نحذر منه مرارا. هناك أيضا فتنة الوقيعة بين أرباب المهن المختلفة، بل وداخل أهل المهنة الواحدة وداخل ذات المؤسسة بتمييز العاملين في قطاع ما على غيره في قطاع آخر يؤدون ذات المهمة وربما بكفاءة أكبر، لكنهم يتقاضون مقابلا أقل لا يكاد يكفي الحد الأدنى من سبل المعيشة ولا أقول الحياة الكريمة بكل ما يتطلبه هذا المصطلح من مقومات.

هناك كذلك فتنة التمايز والتباهي والتفاخر بين أقاليم الوطن الواحد في مقابل تقزيم الآخرين والنيل منهم وتسخيف أدوارهم. تلك الأخيرة في نظري هي الأدهى والأمّر من كل ألوان الفتن التي نتعرض لها من حين لآخر. والمدهش في الأمر أننا نعيش في وطن لا يفرق دستوره بين مواطنيه على أساس دين أو لون أو عرق. بل على العكس من ذلك تماما، فقد استوعب وطننا قديما وما يزال كل الطوائف من مواطنيه، بل وحتى الأغراب عنه. فهو يرحب في كل يوم باستقبال بشر من جنسيات مختلفة ويعاملهم معاملة أهل الوطن ولا تفرقة تكاد تلمسها في المعاملات اليومية بين المواطن والوافد، فللجميع ذات الحقوق طالما التزم بنفس الواجبات.
ورغم هذا الود وتلك الحفاوة بالأغراب، مما صار معلوما عن المصريين بالضرورة، إلا أن الأمر يبدو على خلاف هذا الواقع عند المصريين فيما بينهم وبين بعضهم البعض!! وهو أمر يدعونا لبحث تلك الظاهرة علميا بدلا من الاكتفاء بوضع علامات التعجب. فالمواطن المصري من أبناء إقليم يشعر بالأفضلية على أهل إقليم آخر، فيما يشكل أبناء منطقة من الوطن ما يشبه الجيتوهات التي تدعم بعضها بعضا، ولا أبالغ في هذا ومن لا يصدقني، عليه مراجعة الأمر في التشكيلات الحزبية بل وفي أعظم النقابات المهنية وأكثرها ليبرالية وهو ما يظهر بوضوح في انتخابات تلك النقابات - ولا أقول في انتخابات عامة - إذ اعتدنا أن يسعى المغتربون من أبناء كل إقليم للاستقواء ببلدياتهم فيدعموهم بشدة لاحتلال مقاعد برلمانية تكون سندا لهم وقت الحاجة. أما أن يحدث هذا وسط نقابات مهنية عريقة فهذا أمر يثير التساؤل.
هناك سلاح خطير يستخدم بكثافة في هذا المخطط الخبيث الذي يغرس بذور الفُرقة بين أبناء الوطن الواحد هو تلك الشائعات السخيفة والتي تعززها بعض النكات والإفيهات المبتذلة التي تصنع ابتسامة مؤقتة لكنها تُخلف رمادا كثيرا يوشك أن يشعل حرائق مجتمعية في أي وقت. الغريب في الأمر أن تلك الشائعات المرتبطة ببعض المناطق أو الأقاليم أو المحافظات تنتشر بسرعة شديدة فيتم تداولها بحكم غيرة مهنية أو أحقاد اجتماعية أو شعور بالدونية تجاه تميز أبناء هذه المحافظة أو تلك ممن أصبحوا محلا للسخرية أو موضعا للشائعات. 
أما ما نشر مؤخرا من زيادة معدلات الجرائم وبشاعتها في محافظة ما من تلك المحافظات التي اشتهر أهلها فيما مضى بالوداعة والرفق واللين، فهو الأمر الذي يستدعي تدخلا حاسما وعاجلا. وهنا ينبغي أن نستدعي وعلى الفور مؤسسات الدولة العلمية، قبل الأجهزة الأمنية، إذ لا ينبغي أن تعمل المؤسسات بمنأى عن بعضها البعض، ومن المفترض أن يتم تعديل خطط الدعم والتمويل لمشروعات الرعاية الاجتماعية كمشروع حياة كريمة بناء على نتائج تلك الدراسات الواجب إجراءها إذا وجد الباحثون أن هناك دوافع اقتصادية وراء تلك الظواهر الاجتماعية الطارئة على هذه المحافظة أو تلك.
هناك يا سادة مركز بحثي شديد الأهمية ينبغي أن نلفت الانتباه لأبحاث العلماء فيه، إنه المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، هذا المركز الذي يستهدف النهوض بالبحوث العلمية التي تتناول المسائل الاجتماعية المتصلة بسائر مقومات المجتمع. على الجامعات أيضا وخاصة أقسام علم الاجتماع وعلم النفس دراسة الظواهر الاجتماعية والنفسية في محيطها خاصة وقد انتشرت الجامعات في كل محافظات مصر تقريبا بين عامة وأهلية وخاصة، ويتعين على تلك الجامعات القيام بدورها المجتمعي كل في بيئته ومكانه لوضع حلول لتلك المشاكل النفسية والأزمات المجتمعية قبل أن تأخذ الحوادث الفردية شكل الظواهر المجتمعية. كما يفترض أن يكون للبرلمان دور يتلو جهود تلك الجهات البحثية والأكاديمية بسن قوانين رادعة مبنية على مخرجات تلك الدراسات والأبحاث العلمية. أرجو ألاّ أبدو متشائما بقدر مبالغ فيه، وقديما قالوا: فمعظم النار من مستصغر الشرر.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق