في مثل هذا اليوم، 11 أبريل، ولد عبد الرحمن الأبنودي (1938 - 2015)، أحد أبرز شعراء العامية في مصر والعالم العربي، والذي لم يكتفِ بكتابة الشعر، بل لعب دورًا استثنائيًا في حماية واحد من أهم الكنوز الشعبية العربية: السيرة الهلالية.
عبد الرحمن الأبنودي.. من أبنود إلى ذاكرة التراث
ولد الأبنودي في قرية أبنود بمحافظة قنا، ونشأ في بيئة صعيدية مشبعة بالحكايات الشعبية، حيث استمع منذ صغره إلى رواة السيرة الهلالية في المقاهي والبيوت. هناك، تشكل وعيه الأول بالكلمة المنطوقة، قبل المكتوبة، وهو ما جعله يدرك مبكرًا قيمة هذا التراث الشفهي المهدد بالضياع.
تراث على حافة النسيان
قبل تدخل الأبنودي، كانت السيرة الهلالية تُروى شفهيًا على ألسنة الشعراء الشعبيين، دون توثيق حقيقي، ما جعلها عرضة للتحريف أو الاندثار مع رحيل الرواة، ولم تكن هناك نسخة مكتوبة جامعة، ولا جهد مؤسسي لحمايتها، رغم كونها واحدة من أطول الملاحم الشعبية في العالم العربي.
رحلة البحث والتوثيق
أدرك الأبنودي خطورة الموقف، فبدأ رحلة شاقة امتدت لسنوات، جاب خلالها قرى الصعيد، وجلس مع الرواة، وسجل القصائد صوتيًا، ثم قام بتفريغها وتوثيقها. لم يكن دوره مؤلفًا، بل جامعًا أمينًا، نقل النصوص كما سمعها، محافظًا على روحها الشعبية ولغتها الأصلية. وهذه الرحلة كانت بمثابة مشروع إنقاذ ثقافي، أعاد الاعتبار لتراث ظل مهمشًا لعقود.
السيرة الهلالية.. من الشفاهة إلى الخلود
بفضل جهود الأبنودي، خرجت السيرة الهلالية من نطاق الحكي الشفهي إلى الكتب والتسجيلات، فأصبحت متاحة للأجيال الجديدة والباحثين، كما ساهم في تقديمها بشكل معاصر دون الإخلال بجوهرها، ما ساعد على استمرارها في الوعي الثقافي العربي.
ورغم أن الأبنودي لم يؤلف السيرة الهلالية، فإن قيمته الحقيقية تكمن في إنقاذها من الضياع، فقد تحول من شاعر إلى "حارس للذاكرة الشعبية"، وهو دور نادر في الثقافة العربية.
هذا الدور يعكس طبيعة الأبنودي نفسه، كما وصفه الكاتب محمد توفيق في كتاب "الخال": مزيج من البساطة والتعقيد، من الفطرة والوعي، وهو ما جعله قادرًا على الاقتراب من الناس وتراثهم دون حواجز.
ورحل الأبنودي في 21 أبريل 2015، لكنه ترك وراءه إرثًا يتجاوز دواوينه وأغانيه، ليشمل إنقاذ ذاكرة شعب كامل. فبفضل جهوده، لم تعد السيرة الهلالية مجرد حكايات تُروى، بل أصبحت وثيقة ثقافية خالدة.

















0 تعليق