«زمن سعاد»…قراءةفي تشظي الهوية الأنثوية

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ليست رواية «زمن سعاد» مجرد عمل سردي ينتمي إلى تقاليد الحكي الواقعي، بل هي نصّ مشحون بأسئلة الوعي والتحول، يكتب من داخل القلق الاجتماعي لا من خارجه، ويُعيد طرح العلاقة بين الفرد والزمن بوصفها علاقة مأزومة، لا مستقرة. في هذا السياق، يقدّم د.خالد منتصر عملًا يتجاوز الحكاية المباشرة، ليدخل إلى مناطق أكثر تعقيدًا تتقاطع فيها الذات مع المجتمع، والذاكرة مع الحاضر، والوعي مع الانكسار.

منذ العنوان، تضعنا الرواية أمام إشكالية مزدوجة: هل «سعاد» هي محور الزمن، أم أن الزمن ذاته هو الذي يعيد تشكيل «سعاد»؟ هذا السؤال لا يبدو شكليًا، بل هو مفتاح القراءة النقدية للنص، حيث تتداخل الأزمنة داخل السرد، وتتلاشى الحدود بين الماضي والحاضر، في محاولة لرصد تحولات داخلية عميقة أكثر من مجرد تتبع أحداث خارجية.

تعتمد الرواية على بنية زمنية غير خطية، حيث يلعب الاسترجاع دورًا أساسيًا في بناء المعنى. غير أن هذا الاسترجاع لا يأتي بوصفه حنينًا، بل بوصفه أداة كشف، تُعرّي الماضي وتعيد قراءته في ضوء الحاضر. وهنا، يصبح الزمن دائرة مغلقة، أو بالأحرى متاهة نفسية، تدور فيها الشخصية الرئيسية دون أن تصل إلى يقين نهائي. هذه التقنية تمنح النص توترًا داخليًا مستمرًا، وتجعل القارئ شريكًا في إعادة تركيب الأحداث.

«سعاد» ليست شخصية نمطية يمكن اختزالها في ثنائية الضحية أو المتمردة، بل هي كيان مركب، يحمل داخله تناقضاته الخاصة. إنها امرأة تتأرجح بين الرغبة في التحرر والخوف من نتائجه، بين الوعي بما يحدث لها والعجز عن تغييره. هذا التردد ليس ضعفًا في التشكيل، بل هو انعكاس دقيق لحالة إنسانية عامة، خاصة في مجتمعات تمر بتحولات سريعة ومربكة.

وتنجح الرواية في تقديم هذه الشخصية من خلال تفاصيل يومية دقيقة، لا عبر خطابات مباشرة أو شعارات جاهزة. فالمواقف الصغيرة، والنظرات العابرة، والحوارات المقتضبة، هي التي تصنع المعنى الحقيقي للنص. وهنا تتجلى قدرة الكاتب على التقاط ما هو غير مرئي، وتحويله إلى مادة سردية ذات دلالة.

على المستوى الاجتماعي، يمكن قراءة الرواية بوصفها نقدًا هادئًا لكنه عميق لبنية العلاقات داخل المجتمع، خاصة العلاقة بين الرجل والمرأة. لا يتبنى النص موقفًا صداميًا مباشرًا، بل يترك الواقع يتحدث عن نفسه. ومن خلال هذا التقديم غير المباشر، تتكشف أنماط من الهيمنة الرمزية، التي لا تُمارس بالعنف الصريح، بل عبر العادات والتقاليد واللغة اليومية.

وهنا يبرز مثال دالّ على هذا القهر الصامت: في أحد المواقف التي تُستعاد عبر الذاكرة، نجد «سعاد» في جلسة عائلية تبدو اعتيادية، حيث تُقابل آراؤها بالتجاهل لا بالرفض، وكأن صوتها غير موجود من الأساس. هذا التهميش غير المعلن يكشف عن آلية أكثر خطورة من القمع المباشر؛ إذ يتحول الإقصاء إلى سلوك يومي مألوف، لا يثير حتى الاحتجاج. هذا النموذج يوضح كيف يُمارس المجتمع سلطته دون ضجيج، ويعيد إنتاج التبعية عبر تفاصيل صغيرة تبدو عادية.

ولا تقف الرواية عند حدود النقد الاجتماعي، بل تتجاوزه إلى مساءلة الوعي ذاته. فهي لا تطرح سؤال: ماذا يحدث؟ بقدر ما تطرح: كيف نفهم ما يحدث؟ وهذا التحول من الحدث إلى الوعي هو ما يمنح النص عمقه الفلسفي. فالقارئ لا يخرج بإجابات جاهزة، بل بأسئلة مفتوحة، تدفعه إلى إعادة التفكير في مسلّماته.

ومثال آخر يكشف هذا البعد الداخلي العميق:يتمثل في لحظة مواجهة «سعاد» لذاتها، حين تدرك أنها، رغم رفضها للواقع، تعيد إنتاجه في قراراتها اليومية. هذا الوعي المؤلم لا يأتي في شكل اعتراف مباشر، بل يتسلل عبر ترددها، وخوفها من الحسم، وكأنها أسيرة منظومة تشارك هي نفسها في استمرارها. هذه اللحظة تمثل ذروة الصراع الداخلي، حيث لا يعود الخصم خارجيًا فقط، بل يصبح جزءًا من الذات.

اللغة في «زمن سعاد» تميل إلى الاقتصاد والتكثيف، لكنها في الوقت ذاته مشحونة بدلالات متعددة. لا نجد إسرافًا في البلاغة، ولا ميلًا إلى الزخرفة، بل لغة وظيفية في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها. الجملة قصيرة، لكنها تحمل توترًا داخليًا، وكأنها تنبض بما لم يُقل أكثر مما تُصرّح به. وهذا الاختيار اللغوي يتسق مع طبيعة النص، الذي يراهن على الإيحاء أكثر من التصريح.

أما من حيث البناء الفني، فإن الرواية تتسم بانفتاحها، خاصة في نهايتها التي لا تقدم حسمًا واضحًا. هذه النهاية المفتوحة ليست نقصًا، بل خيارًا جماليًا يعكس رؤية الكاتب للعالم: عالم لا يمكن اختزاله في إجابات نهائية. وهنا، يتحول القارئ من متلقٍ إلى مشارك، يُكمل النص بتأويله الخاص.

وإذا ما نظرنا إلى البعد الرمزي في الرواية، سنجد أن العديد من العناصر تتجاوز معناها المباشر. فالمكان، على سبيل المثال، ليس مجرد خلفية للأحداث، بل هو امتداد للحالة النفسية للشخصيات. الأماكن الضيقة تعكس الاختناق، والفضاءات المفتوحة لا تعني بالضرورة الحرية، بل قد تكشف عن فراغ داخلي أعمق. كذلك الزمن، الذي لا يُقاس بالساعات، بل بمدى التحول الذي يطرأ على الشخصية.

في هذا الإطار، يمكن اعتبار «زمن سعاد» نموذجًا لما يمكن تسميته بسرد التحولات، حيث لا يكون الحدث هو المركز، بل التغير في الوعي. وهذا النوع من السرد يتطلب قارئًا يقظًا، قادرًا على التقاط الإشارات، وربط التفاصيل، وبناء المعنى تدريجيًا.

ورغم هذا الثراء، لا تخلو الرواية من بعض الملاحظات النقدية. ففي بعض المواضع، يميل السرد إلى التكرار، خاصة في استعادة الحالات النفسية، ما قد يؤثر على الإيقاع العام للنص. كما أن بعض الشخصيات الثانوية تبدو أقل عمقًا، وتؤدي أدوارًا وظيفية أكثر منها درامية، وهو ما يقلل من ثراء العالم الروائي.

كما يمكن الإشارة إلى أن الرواية، في سعيها إلى التكثيف، قد تحرم القارئ أحيانًا من بعض التفاصيل التي كان يمكن أن تضيف إلى عمق التجربة. فهناك لحظات كان يمكن التوقف عندها أكثر، وتوسيعها، بدل المرور السريع عليها. غير أن هذا الخيار قد يكون مقصودًا، في إطار الرغبة في الحفاظ على إيقاع داخلي متوتر.

ومن زاوية مقارنة، يمكن وضع «زمن سعاد» ضمن سياق أوسع من الأعمال التي اهتمت بتحليل الوعي الأنثوي في المجتمع العربي، لكنها تختلف عنها في أنها لا تسعى إلى تقديم نموذج، بل إلى طرح إشكالية. فهي لا تقول: هذه هي المرأة، بل تسأل: ماذا يحدث للمرأة في زمن مضطرب؟ وهذا الفارق بين التقديم والتساؤل هو ما يمنحها خصوصيتها.

وفي قراءة أعمق، يمكن القول إن الرواية لا تتحدث عن «سعاد» فقط، بل عن جيل كامل يعيش حالة من الارتباك بين ما ورثه وما يعيشه. إنها رواية عن الفجوة بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية، عن التناقض بين الخطاب والواقع، عن الإنسان الذي يجد نفسه ممزقًا بين عالمين لا ينتمي بالكامل لأي منهما.

وهنا تكمن قوة النص: في قدرته على تحويل الخاص إلى عام، والفردي إلى جماعي، دون أن يفقد حساسيته الإنسانية. فـ«سعاد» ليست حالة استثنائية، بل هي نموذج قابل للتكرار، ما يجعل الرواية أكثر قربًا من الواقع، وأكثر قدرة على التأثير.

يقينا، إن «زمن سعاد» عمل روائي يراهن على الوعي، لا على الحدث، وعلى السؤال، لا على الإجابة. إنه نص يزعج القارئ بقدر ما يثريه، ويدفعه إلى التفكير بقدر ما يمنحه متعة القراءة. ورغم بعض الملاحظات، فإنه يظل عملًا مهمًا في سياق الرواية العربية المعاصرة، لأنه يطرح ما يجب أن يُطرح، ويقترب مما يجب أن يُفكَّر فيه.

إنها رواية لا تُقرأ مرة واحدة، بل تُعاد قراءتها، لأن كل قراءة تكشف طبقة جديدة من المعنى، وتفتح بابًا آخر للتأويل. وهذا، في جوهره، هو معيار العمل الأدبي الجيد: أن يظل حيًا في ذهن قارئه، حتى بعد أن يُغلق الكتاب.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق