في عدد نادر من مجلة «الكواكب» عام 1932، كشف الستار عن واحدة من أكثر الزوايا إثارة في عالم المسرح المصري: كيف كان كبار الممثلين يحفظون أدوارهم؟ لم تكن الإجابة واحدة، بل تعددت بتعدد الشخصيات والأساليب، لتكشف عن عالم مدهش من الحيل الفنية والقدرات الذهنية التي صنعت نجومية جيل كامل من رواد المسرح.
يوسف وهبي
في مقدمة هؤلاء، يأتي العملاق يوسف وهبي، الذي كان يعتمد على ذاكرة حادة وسرعة بديهة لافتة، ورغم كثرة انشغالاته وتعدد مسؤولياته، كان يؤجل حفظ أدواره حتى اللحظات الأخيرة قبل رفع الستار، داخل غرفة ملابسه، وبينما الزوار يحيطون به، كان يقلب صفحات «النوتة السوداء» بسرعة، مستوعبًا الكلمات في وقت قياسي، قبل أن ينطلق إلى خشبة المسرح ممسكًا بها، يراجع أول جملة فقط، ثم يندمج في الأداء كأنه حفظ النص منذ أسابيع.
الأكثر إثارة أن وهبي كان أحيانًا يصعد إلى المسرح دون أن يقرأ النص أصلًا، معتمدًا على فهمه العميق للمواقف من خلال البروفات، فإذا غير في الحوار أو أضاف من عنده، كان يلمح للملقن بإشارة خفية، لينقذ زميله من الارتباك، هذا التوازن بين الارتجال والانضباط جعله نموذجًا فريدًا للممثل القادر على الإمساك بخيوط العرض حتى في أصعب اللحظات.
عزيز عيد
على النقيض تمامًا، يأتي أسلوب عزيز عيد، الذي اشتهر بأنه لم يحفظ أدواره تقريبًا طوال حياته الفنية، كان يعتمد على فهم السياق العام للمسرحية، ثم يترك التفاصيل للملقن، وعندما يحين موعد ظهوره، يتعمد التمهل في النطق، مطيلًا في كلماته، ليمنح نفسه وقتًا كافيًا لالتقاط الجمل من الملقن، ورغم هذه الطريقة، كان يحافظ على هدوء أدائه، فلا يكاد الجمهور يلحظ تردده أو اعتماده على المساعدة الخارجية.
جورج أبيض
أما جورج أبيض، فكان يمثل حالة مختلفة تجمع بين الاجتهاد والتعثر، كان يبدأ بحفظ دوره في الطريق، يقلب «النوتة» أثناء تنقله، ثم يواصل المراجعة لساعات طويلة في المنزل، وبعد أن يطمئن إلى إتقانه، يطلب من زوجته أو أحد زملائه الاستماع إليه، لكن المفارقة أن ذاكرته كانت تخونه أحيانًا على المسرح، فيضطر للاعتماد الكامل على الملقن، بل ويتوقف عن الإلقاء إذا تعثر الأخير، ما كان يضعه في مواقف حرجة لاحظها الجمهور.
نجيب الريحاني
وفي عالم الكوميديا، تظهر مدرسة مختلفة تمامًا مع نجيب الريحاني، الذي لم يكن يحمل «نوتة» على الإطلاق، كان يعتمد على فهمه العام للدور، مستفيدًا من كونه غالبًا شريكًا في كتابة النصوص، هذه المعرفة كانت تمنحه حرية واسعة في الارتجال، فيضيف جملًا طريفة وقفشات مبتكرة لا وجود لها في النص الأصلي، دون أن يخرج عن روح العمل، وقد ساعده في ذلك نوع المسرح الذي يقدمه، القائم على الكوميديا الاجتماعية، حيث يسمح السياق بمساحة أكبر من الحرية.
علي الكسار
ولا يبتعد عنه كثيرًا علي الكسار، الذي اتخذ من سرعة البديهة سلاحًا أساسيًا، لم يكن يعتمد على الحفظ الدقيق، بل على ما يعلق في ذهنه من البروفات، تاركًا الباقي للملقن ولحسه الكوميدي، وكان كثيرًا ما يتوقف أثناء العرض ليداعب الجمهور أو يرد على تعليقاتهم، في لحظات ارتجالية تضيف إلى العرض طابعًا حيًا، حتى وإن خرجت مؤقتًا عن النص.
فاطمة رشدي
في المقابل، تمثل فاطمة رشدي النموذج الأكثر انضباطًا ودقة، كانت تعتمد على ذاكرة قوية، لكنها لم تكتفي بها، بل دعمتها بالاجتهاد المستمر، كانت تحمل «النوتة» معها في كل مكان، تراجع النص في كل لحظة فراغ، حتى بعد انتهاء العرض في ساعة متأخرة من الليل، حيث تواصل الحفظ والمراجعة لساعات إضافية، ولم يكن هذا كافيًا، إذ كانت تلجأ إلى أساتذة اللغة العربية لضبط التشكيل، حرصًا على سلامة النطق ودقة الأداء، خاصة في الأدوار الشعرية.
هذا التنوع في الأساليب يعكس طبيعة المسرح المصري في تلك الفترة، حيث لم يكن هناك منهج واحد للحفظ أو الأداء، بل كانت لكل فنان طريقته الخاصة، التي تتناسب مع شخصيته ونوع الأدوار التي يقدمها، فبين من يعتمد على الذاكرة، ومن يستند إلى الفهم، ومن يترك المجال للارتجال، تشكلت لوحة فنية غنية بالتجارب.
الملقن
تكشف هذه الشهادات أيضًا عن دور «الملقن»، ذلك الجندي المجهول في المسرح، الذي كان يمثل طوق النجاة للعديد من الممثلين، خاصة في اللحظات الحرجة، ورغم أن بعض النجوم حاولوا الاستغناء عنه، فإن وجوده ظل عنصرًا أساسيًا في العروض المسرحية آنذاك.

















0 تعليق