ساعة الغروب و«حُسنة» تكنس البيت وتلم الدجاجات، تصعد إلى سطح البيت وبين ذراعيها كومة من كيزان الذرة، تتطلع من النافذة وتقف على البسطة.. المقابر أمامها مباشرة ممتدة إلى ما لا نهاية واسعة سعة أعمار الذين يقطنونها وحيواتهم.
كان بيتهم البيت الوحيد الذى يطل على المقابر، تفصل بينه وبين باقى بيوت البلدة مساحة واسعة من الأرض المزروعة طوال العام بالأرز والذرة والقمح، ولا يربطهم بالبلدة سوى طريق ضيق لا يزيد على مترين، يسير عليه من يود زيارة المقابر.
هناك فى الجهة الشمالية الغربية للبلدة تقع المقابر، لا تبتعد كثيرًا عن مجرى النهر الذى يسير بمحاذاة السرايا الكبيرة. تتراص القبور بجوار بعضها بعضًا تاركة مسافات ضيقة متوازية للمرور بينها، وهذه الطرقات مأوى للكلاب والثعالب والذئاب ويتردد عليها من يهوى صيد هذه الحيوانات فينصب فخاخه بجوار عين القبر، ومنهم «عوض» زوج «راوية». تتأمل «حُسنة» قبابها الدائرية غير المكتملة وشواهدها الأسطوانية، التى تنتهى بعمة للعيون المخصصة لدفن الرجال، وبمثلث للعيون المخصصة للنساء.
لم تشعر قَط بالرهبة من صمتها، بل كانت تراها عالمًا آخر، ولم يرسخ فى ذهنها رغم محاولات أبيها المستمرة إقناعها بأنهم تحولوا إلى تراب، أن هذه المقابر فارغة إلا من عظام، بل إنها فى أحيان كثيرة تقيم روابط وعلاقات بين من ماتوا، فتزوجهم ببعضهم بعضًا، تتخيل قصص حب بينهم، وكنت أصدقها، بينما يندهش أبوها من معرفتها، فعندما قالت إن جمال أبوإسماعيل لا يشعر بالراحة، وإن روحه لا تستقر فى التربة التى دفن فيها، وإنها دائمًا ما تحوم حول مقابر عائلة البكرى، نظر إليها باستغراب، ولما همّت بأن تسأله، وضع يده على فمها ونهرها بشدة أن تقول مثل هذه التخاريف وهددها: «إن من يتحدث عن الميتين يذهب إلى النار».
وعندما تأكد من نوم حُسنة وأخيها يحيى، همس لأمها:
- من قال لحُسنة حكاية جمال وعايدة بنت البكرى؟
تنظر حُسنة إلى الأراضى الخضراء الممتدة على مرمى البصر، تفكر فى الحياة الظاهرة والحياة التى تموج بها القبور، تستشعر أنفاس الراحلين واستعدادهم للقيام بجولاتهم الليلية للاطمئنان على أقاربهم، وتستشعر القلقلة التى تسرى فى الهواء، فى اللحظات التى تختلط فيها الأنفاس التعبة للفلاحين العائدين من حقولهم، والأنفاس المستيقظة من غفوتها النهارية.
وبينما عيناها تمسح كل الألوان والأشكال التى أمامها، يتوقف نظرها عند نقطة سوداء، ولما بدأت تتفحصها وتدرك لمن هى، أخذت حرارة تسرى فى بدنها وتنتقل إلى ذراعيها، فظنت كيزان الذرة التى تحملها أن موعد تحميصها قد آن، فأخذت تتملص من أسرها وانفلتت على الأرض، بعضها تكسّر ضلعه وبعضها الآخر تهشمت رقابه، والقليل لم يُصب، وتكومت فى انتظار مصير آخر تحت قدمى «حُسنة» التى صدمتها مقدمة قطار وظلت مصلوبة على واجهته، يتحرك بها القطار من محطة إلى أخرى دون أن ترمش.. ما الذى جاء به فى هذا الوقت؟ هو لا يزور المقابر، يكتفى بالشهرية التى يرسلها لأبيها كى يعتنى بأرواح أقاربه، بينما يعطيهم دائمًا ظهره. تتأمله.. شعره هو أوضح ما فيه بلونه الأسود الذى لا تتوه لمعته فى غيمة الضباب الرمادى الذى يرش نطفه الآن على الدنيا، فتتكاثر بمرور الساعات سوادًا حالكًا، ينيره القمر من مداراته البعيدة.
على مدار الشهر تتابع «حُسنة» القمر، ينمو ويكبر ثم يتناقص ويضمحل. تتطلع إلى وجهه فترى وجه أرنب يحمل دلوين على كتفيه كى يروى جزراته، يتربص به ثعلب ينقض عليه ويقتلع الجزرات من منبتها، يقذفها فى وجه امرأة تحمل طفلها على ظهرها، المرأة منهكة، متعبة، جائعة، تطارد رغيف خبز لا تطوله يدها.

















0 تعليق