أنا عكاز نفسى.. أستقيم وأقيم

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الخميس 02/أبريل/2026 - 02:43 م 4/2/2026 2:43:29 PM

تتعاظم قوة المجتمعات، فى أحد روافدها المؤثرة، فى إيمانها العميق بقوة وقدرة أفرادها، عندما يستطيع كل فرد فيها أن يملك نفسه امتلاكًا كاملًا وحقيقيًا، يجعله قادرًا على الثبات عند الأزمات، مقاومًا للتقلبات، مؤمنًا بأن التغلب على المصاعب الحياتية ليس بالاندفاع والتهور والاتكال، بقدر ما هو بالاستمرار فى العمل لإثبات الذات، وحيث لا تتقاذفه المشاعر أو تغيره المواقف، فلا يغريه النفاق ولا تسقطه الإساءات، ليكون الفرد كما فى المقولة الشهيرة «أنا عكاز نفسى.. أستقيم وأقيم». وهى حالة تجعل كل فرد فى المجتمع مسئولًا عن ذاته، مربيًا ومطورًا لها، قادرًا على الاعتماد على نفسه، فلا يرهق محيطه أو مجتمعه بسد احتياجاته، حينها وحينها فقط يكون الفرد منسجمًا مع طبيعته التى فُطر عليها، لا يأكل إلا من عمل يده، ولا يساق إلى مالا يرغب فيه. ذلك أن أهم صفات الإنسان التى يستأثر بها دون المخلوقات، أنه قادر على التغير وقادر على الخروج عن الطابور، إلا إذا كان يريد أن يسلب من نفسه التفرد أو يسلبها القدرة على الحركة بالثبات داخل هذا الطابور، ليغير عن إرادة كاملة القانون الذى خلق الله الكون عليه وهو الحركة الدائمة، فيجعل من نفسه نسخة من نسخ متكررة فى الماضى والحاضر، يعمل ما يعملون ويعتقد ما يعتقدون ويركن إلى ما يركنون، فى وضع يكرس انحسار الثقة بالنفس وخمولًا لإرادة النهوض، حيث إن أكثر عوامل فقدان الحافز أو تعطيل التفكير والتطور الذاتى، أن يشعر الفرد أن هناك من هو مسئول عنه، يدير له أموره، ويدبر له احتياجاته، ويفكر نيابة عنه، ويحل له مشكلاته فى ممارسة تكرس نوعًا من أنواع الخضوع النفسى التى تدفع الفرد إما إلى الانصياع والاتكال الكامل الذى يفرغ المجتمع من المبدعين والمواهب، وإما يدفعه إلى أحد أشكال التمرد على الواقع دون التأثير فيه أو تغييره، لأن التمرد غالبًا لا يدفع إلى جهد وعمل بناء بقدر ما يدفع إلى مجرد مقاومة تبدد الطاقات، فضلًا عن إثارة الطمع فى حقوق الغير وخرق للقانون والمعايير الأخلاقية، التى يتغنى بها المجتمع فى العلن وينتهكها فى السر. إن نوعًا من هذا النوع من المجتمعات، لا يمكن أن يكون قادرًا على تعظيم ثرواته، لأن نمط تفكيره يكون محصورًا فيما بين يديه فقط، وما هو متاح أمامه بالفعل- فلا يقدم قيمه مضافة لشىء- ويؤدى هذا النمط من التوجه إلى ارتباط المجتمع ارتباطًا وثيقًا بالشكل الإقطاعى للثروة، إن لم يكن فى امتلاك الأطيان الزراعية وكل ما يرتبط بها، فإنه يكون فى امتلاك العقارات وما يرتبط بها. وهو أمر تتراجع معه بلا شك عوامل التقدم من ابتكار وتجديد وتحديث، وتتكاثر معه القوانين التى تحد من حرية الحركة ويذداد فيه الاتكال على ما تقدمه الحكومات من إعانات. وفى هذا المناخ تنتشر ثقافة التعاونيات والولاء والتضامن التى يتبعها أشكال وأنماط مختلفة من التبعية الفكرية والثقافية والاقتصادية والسياسية، التى تشل حركة الأفراد وحركة المجتمع عن التقدم، حيث تنتفى قدرة الفرد على المبادرة فى رضوخ تام لما يحدث له، فى حين تتراجع ثقافة المنافسة والاعتماد على الذات، التى تعد الدافع الأساسى فى اتجاه المجتمعات طوعًا إلى تغيير نمط الحقوق والواجبات الفردية والعامة، وعاملًا أساسيًا فى فتح أفق سياسى وفكرى ومهنى قائم على سنة التغيير نحو الأفضل، يكون الفرد خلالها قادرًا على الفعل والصنع والإيجاد، وله فى كل مرحلة من حياته شأن مختلف عما كانه فى الماضى القريب أو البعيد، فتتولد لديه الرغبة فى عيش الحياة لا الزهد فيها انتظارًا لحياة أفضل بعد الموت. إن حياة المنافسة وما يستلزمها من تطور دائم، تحيل حياة الأفراد والمجتمعات إلى صيرورة دائمة الحركة إلى الأمام، نحو الإنتاج والوفرة، بخلاف المجتمعات القائمة على ثقافة التعاونيات حيث لا تكون الوفرة الإ فى الجمود والثبات فى انتظار العون ويد المساعدة، وفى سلوك عام يرسخ لديها قيم المقاومة للتغيير، وتجاهل عمدى لمفاتيح الرخاء، ونبذ مستمر وفاعل لكل سلوك يتعارض مع المعايير القائمة، وهى أمور تثرى وتقوى من نزعة الكثيرين- خاصة من النخب- إلى ادعاء الخبرة فى كل شىء والتحدث فى كل شىء، ومحاربة كل شىء من شأنه محاولة تغيير الواقع أو تعديله نحو منافسة حقيقية وواعية ترسخ قيم وحقوق الإنسان فى الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية، بصورة حقيقية وليس بالتظاهر بصور مثالية لا علاقة لها بأرض الواقع، الذى يكشف عن حالة عامة من الشعور بانعدام اليقين فى المستقبل، فضلًا عن الشك فى فاعلية وقدرة الحاضر، وهى حالة تكرس فى الوعى فتور متمكن، تجعل المجتمع لا يقلق إلا فقط على يومه الذى يعيشه، فيعيش يومًا بيوم فى تكرار يكون فيه حيًا بلا حياة، تكرار يفقده إحساسه بالزمان كما يفقده انتماءه إلى المكان. وربما تكون حالة الجمود هذه- هى ما دفعت الفيلسوف الألمانى فريدريك نيتشه فى معرض حديثه وتوصيفه عن «الفرد الحى» وتأثير قوة التغيير فى روح الفرد ونهضة المجتمعات التى تغذى هذه الروح لأن يقول: «الميت هو من توقف عن النمو، من اختار الأمان بدلًا من الحرية». فإذا كان للمجتمع أن يتغير إيمانًا أو انطلاقًا من إدراك أن التغيير شكل من أشكال القوة الذاتية نحو صناعة النفس، فإن عليه أن يعتمد تغييرات جذرية فى النظر إلى القدرات الفردية والمنافسة الحرة بين هذه القدرات، كما عليه إدراك الفارق الكبير بين ما حققه رأس المال الحر ورأس المال العام، وهو فارق جوهرى جعل أحدهم الكثيرين يعيشون تحت تأثير قيم الرفاة، فيما جعل الآخر الكثيرين يعيشون تحت تأثير قيم البقاء، وهو فارق بين قيم الحياة وقيم الموت.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق