في خطوة تعكس تزايد الاهتمام بتعزيز ملف حقوق الإنسان وربطه بدور الإعلام في تشكيل وعي المجتمع، عقدت لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب اجتماعا موسعا، أمس، برئاسة النائب طارق رضوان، وبحضور المهندس خالد عبد العزيز، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لمناقشة عدد من القضايا الحيوية المرتبطة بالحقوق والحريات، وآليات تطوير الخطاب الإعلامي بما يتماشى مع التحديات الراهنة.
ويأتي هذا الاجتماع في توقيت بالغ الأهمية، في ظل ما تشهده المنطقة من متغيرات متسارعة، تفرض ضرورة وجود إعلام واع ومسؤول قادر على نقل الحقائق، وتقديم محتوى مهني يعزز من قيم الشفافية والانفتاح، ويسهم في بناء مواطن مدرك لحقوقه وواجباته.
الإعلام وحقوق الإنسان.. علاقة تكاملية
استهلت اللجنة أعمالها بالتأكيد على أن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح شريكا أساسيا في بناء الوعي المجتمعي، خاصة فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان.
وأكد النائب طارق رضوان، رئيس لجنة حقوق الإنسان، أن تكاتف الجهود بين المؤسسات المختلفة، وعلى رأسها المؤسسات الإعلامية، يمثل ضرورة حتمية لتعزيز مفاهيم الشفافية والمساءلة، مشددا على أن الإعلام المسؤول يلعب دورا محوريا في توجيه الرأي العام وتشكيل إدراك المواطنين.
وأوضح أن التحديات التي تواجهها المنطقة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، تتطلب خطابا إعلاميا متوازنا، يبتعد عن الإثارة ويعتمد على المهنية والدقة، بما يدعم استقرار المجتمع ويعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
تطوير الإعلام.. ضرورة تفرضها التحديات
وفي سياق متصل، شدد رئيس اللجنة على أهمية تطوير المنظومة الإعلامية بشكل شامل، سواء من خلال تحديث الأدوات أو تحسين جودة المحتوى، أو الاستثمار في العنصر البشري.
وأشار إلى أن بناء كوادر إعلامية مؤهلة وقادرة على التعامل مع القضايا الحقوقية المعقدة يمثل أحد أهم محاور التطوير، مؤكدا أن التدريب المستمر وتبادل الخبرات يسهمان في رفع كفاءة الأداء الإعلامي.
كما دعا إلى إطلاق مبادرات إعلامية مشتركة بين الجهات المختلفة، تستهدف نشر الوعي بالقضايا الحقوقية، مع ضرورة وجود آليات واضحة لقياس تأثير هذه المبادرات على المواطنين، لضمان تحقيق النتائج المرجوة.
حرية التعبير.. حق دستوري ومسؤولية مجتمعية
من جانبه، أكد المهندس خالد عبد العزيز أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ينطلق في عمله من رؤية قائمة على احترام حقوق الإنسان، وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير.
وأوضح أن هذه الحرية تمثل حقاً أصيلاً يكفله الدستور، لكنها في الوقت ذاته ترتبط بمسؤولية مهنية وأخلاقية، تفرض على وسائل الإعلام الالتزام بالموضوعية وعدم نشر معلومات مضللة.
كما أشار إلى أهمية إصدار قانون تداول المعلومات، باعتباره خطوة أساسية نحو تعزيز الشفافية، وتمكين المواطنين من الوصول إلى المعلومات بشكل دقيق ومنظم، بما يدعم بناء مجتمع قائم على المعرفة.
الإعلام التوعوي.. من الندوات إلى الدراما
وكشف عبد العزيز عن توجه المجلس لتنظيم سلسلة من الندوات والفعاليات المتخصصة في مجال حقوق الإنسان، بالتعاون مع مختلف الجهات والمؤسسات، بما في ذلك الوزارات والهيئات المعنية.
ولم يقتصر الحديث على الإعلام التقليدي، بل امتد إلى الدراما باعتبارها إحدى أهم أدوات التأثير في المجتمع، حيث أكد أن الأعمال الدرامية، خاصة خلال موسم رمضان، تملك قدرة كبيرة على توصيل الرسائل بشكل مبسط وجذاب.
وأشار إلى أن هناك توجهاً للاستفادة من هذا التأثير عبر تقديم محتوى درامي يعكس القضايا المجتمعية والحقوقية، ويسهم في تعزيز وعي المواطنين، لافتاً إلى أن مصر تشهد طفرة ملحوظة في صناعة الدراما.
طفرة في الإنتاج الدرامي ورؤية مستقبلية
وفي هذا الإطار، أوضح رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أن قطاع الدراما في مصر يشهد تطوراً كبيراً، جعل من الممكن إنتاج ما يصل إلى 100 مسلسل سنوياً.
وأضاف أن هذا التطور لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة تخطيط مسبق وتطوير مستمر في آليات الإنتاج، مشيرا إلى أن عددا من الأعمال الأخيرة حقق نجاحا واسعا ونسب مشاهدة مرتفعة.
كما أشاد بدور الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في إحداث نقلة نوعية في صناعة الدراما، من خلال تقديم محتوى متنوع يعكس قضايا المجتمع، ويعزز من الهوية الثقافية المصرية.
الأطفال والتكنولوجيا.. تحديات جديدة
واستحوذ ملف الأطفال على جانب مهم من المناقشات، حيث أكد خالد عبد العزيز أن التغيرات التكنولوجية فرضت واقعاً جديداً، جعل من الصعب الاعتماد على الوسائل التقليدية مثل قنوات الأطفال.
وأوضح أن إنشاء قنوات موجهة للأطفال أصبح مكلفا ولا يتناسب مع طبيعة الجيل الحالي، الذي يعتمد بشكل أساسي على المنصات الرقمية.
وشدد على ضرورة تقديم محتوى رقمي يجمع بين الجاذبية والأمان، ويعتمد على الابتكار والتكنولوجيا الحديثة، بما يمكنه من منافسة المحتوى العالمي.
دور الأسرة في مواجهة مخاطر الإنترنت
وفي السياق ذاته، أكد عبد العزيز أن مواجهة مخاطر الإنترنت لا تقع على عاتق المؤسسات فقط، بل تمتد إلى الأسرة، مشدداً على أهمية دور أولياء الأمور في متابعة استخدام أبنائهم للتكنولوجيا.
وأشار إلى أن المجلس يعمل على تعزيز الوعي لدى الأسر، وتوفير أدوات تكنولوجية تساعدهم في مراقبة المحتوى الذي يتعرض له الأطفال، بما يضمن حمايتهم من المخاطر الرقمية.
كما لفت إلى أن التكنولوجيا تمثل سلاحاً ذا حدين، يمكن أن تكون أداة للبناء أو للهدم، وهو ما يستوجب التعامل معها بحذر ووعي.
تعاون مؤسسي مرتقب
وفي ختام الاجتماع، اتفقت لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على إعداد بروتوكول تعاون مشترك، يهدف إلى توحيد الجهود في مجال نشر الوعي الحقوقي.
ووجّه المهندس خالد عبد العزيز دعوة رسمية لأعضاء اللجنة لزيارة مقر المجلس في مبنى ماسبيرو، تمهيداً لتوقيع البروتوكول، الذي من المتوقع أن يشمل تنظيم فعاليات مشتركة وتبادل الخبرات.
ويعكس هذا الاجتماع إدراكا متزايدا لأهمية التكامل بين المؤسسات التشريعية والإعلامية في دعم قضايا حقوق الإنسان، وترسيخ قيم الوعي والمسؤولية داخل المجتمع.
كما يؤكد أن المرحلة المقبلة ستشهد تحركات أكثر فاعلية نحو تطوير الإعلام المصري، ليصبح أكثر قدرة على مواكبة التحديات، والمساهمة في بناء مجتمع قائم على المعرفة والوعي والاحترام المتبادل.


















0 تعليق