العُمرة الوهمية.. الدستور تكشف تفاصيل النصب على الراغبين فى زيارة بيت الله الحرام: أسعار مغرية وعروض مزيفة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

- الشركات تستعين بـ«مؤثرين» و«دعاة دينيين» لإضفاء مصداقية على نشاطها غير المشروع

- مطالب بإطلاق حملات توعية للمواطنين فى الإعلام والمساجد

- دعوات لتسهيل آليات الإبلاغ عن الإعلانات الوهمية

تزايدت شكاوى المواطنين من الوقوع ضحايا لعمليات نصب إلكترونى تحت غطاء تنظيم رحلات الحج والعمرة، لتبرز ظاهرة الشركات الوهمية التى تنشط عبر مواقع التواصل الاجتماعى، مستغلة المشاعر الدينية والرغبة فى أداء المناسك بأسعار مخفضة.

ومع اتساع دائرة الضحايا، تحولت تلك الإعلانات المضللة إلى ظاهرة حقيقية، خاصة فى فترات الذروة، التى يرتفع فيها الطلب على السفر، ما استدعى فتح هذا الملف، الذى تكشف فيه «الدستور» عن آليات عمل شركات الحج والعمرة الوهمية على مواقع التواصل، مع رصد حالات متعددة لمواطنين تعرضوا لعمليات نصب من جانب هذه الشركات، لتوعية الرأى العام حول مظاهر هذا الاحتيال وكيفية تجنبه.

ضحايا:  القصة تبدأ بإعلانات جذابة على مواقع التواصل وتنتهى بالاحتيال

روى عبدالله السيد قصة تعرّضه لعملية نصب، بعد تواصله مع أشخاص أوهموه بقدرتهم على إنهاء إجراءات السفر لأداء مناسك العمرة بأسعار أقل من المعتاد، موضحًا أنه اطمأن لطريقة التعامل معهم بعد الكلام المنمق الذى قُدم له، خاصة مع التأكيد على قرب موعد السفر وسهولة الإجراءات.

وأوضح «عبدالله» أنه، وبعد سداد المبلغ المتفق عليه، فوجئ بتأجيلات متكررة لموعد سفره دون مبرر واضح، قبل أن ينقطع التواصل تمامًا، بعد أن أُغلقت أرقام الهواتف وتوقفت الردود على رسائله، مشيرًا إلى أنه أدرك فى هذه اللحظة أنه وقع ضحية عملية احتيال، فتوجه لتحرير محضر رسمى بالواقعة، ومطالبًا بتشديد الرقابة على الجهات الوهمية التى تستغل رغبة المواطنين فى أداء العمرة.

وعبر رسائل «الفوز المجانى»، بدأت حكاية مشابهة بطلها محمد عادل الشاذلى، الذى كشف عن تفاصيل تعرضه لعملية نصب، مؤكدًا أن هناك عددًا من الصفحات الوهمية التى تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعى، وعلى رأسها «فيسبوك» وتستغل رغبة المواطنين فى أداء العمرة تحت مسميات مختلفة.

وقال «محمد»: «الشركات الوهمية ترسل فى البداية رسائل تهنئة، تفيد بالفوز بعمرة مجانية، مع طلب الحضور لتسلم العقد واستكمال الإجراءات، ما يبدو فى البداية أمرًا طبيعيًا ومطمئنًا».

وأضاف: «الضحايا، ومن بينهم مواطنون من عدة محافظات، يتفاجأون عند التوجه لمقرات تلك الشركات بأن العرض ليس مجانيًا، كما تم الترويج له، بل يتم تحميلهم تكاليف الطيران والتأشيرة ومصاريف أخرى تصل إلى أكثر من ٣٠ ألف جنيه».

وأكد أن القائمين على تلك الصفحات محترفون فى الإقناع واستغلال نية الناس للعمرة، محذرًا المواطنين من الانسياق وراء الرسائل المجهولة، خاصة أنه لا توجد عمرة مجانية تُعلن عبر رسائل أو مسابقات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعى.

الأمر نفسه أكدته حكاية نيرة طارق، التى بدأت حكايتها بتلقيها اتصالًا هاتفيًا من شركة سياحة يفيد بأنها فازت برحلة عمرة مجانية، تشمل السكن والتنقل، على أن تتحمل فقط قيمة تذكرة الطيران والتأشيرة، مع وعود بتسهيلات الدفع على أقساط.

وأوضحت أن العرض بدا مغريًا جدًا لها، لكنه أثار لديها الريبة، ما دفعها للتحقق قبل اتخاذ أى خطوة أو دفع أى مبالغ.

وأشارت «نيرة» إلى أنها، من خلال البحث، اكتشفت وجود صفحات على مواقع التواصل الاجتماعى مخصصة للتحذير من هذه الشركة الوهمية، وأن هناك شكاوى متكررة من مواطنين تعرضوا للاحتيال من نفس الشركة، بعد عمليات النصب عليهم، ما جعلها تقرر عدم التعامل معهم.

وأضافت: «مندوبة المبيعات التى تواصلت معها قلت لها: أنتم شركة نصابة، لكنها لم تبادر بالدفاع عن سمعة الشركة أو تبرير أى شىء، ما زاد لدى الشكوك حول مصداقية هذه العروض، لأنهم لو كانوا أشخاصًا ملتزمين لدافعوا عن سمعتهم».

خبير سياحى:  «السوشيال ميديا» وراء انتشارها وتنشط فى رمضان وذى الحجة

حذر عمارى عبدالعظيم، رئيس شعبة «السياحة والطيران» بالغرفة التجارية سابقًا، من تزايد ظاهرة الشركات الوهمية فى مجال الحج والعمرة، معتبرًا أن «السوشيال ميديا» أصبحت العامل الأبرز فى انتشار هذا النوع من النصب، بعدما تحولت إلى أداة تسويق سهلة ومنخفضة التكلفة.

وكشف «عبدالعظيم» عن أن عددًا من القائمين على الصفحات الوهمية لتلك الشركات هم موظفون سابقون فى شركات سياحة تركوا عملهم، أو أشخاص لديهم خلفية عن تفاصيل المجال، ما يجعل عملية الاحتيال أكثر سهولة وإقناعًا للمواطنين.

ونبه إلى أن خطورة الظاهرة زادت مع دخول بعض الأشخاص تحت ستار دينى، مستغلين قدسية الحج والعمرة، مضيفًا: «بعض هؤلاء الأشخاص يلجأ لاستخدام شيوخ أو رموز دينية فى الترويج الوهمى، بهدف كسب ثقة المواطنين، وتحقيق أرباح سريعة».

وأضاف الخبير السياحى: «المحتال غالبًا ما يكون له تعامل سابق مع شركة سياحة، ويعتمد على الإعلانات الممولة عبر الإنترنت، مع تخفيض الأسعار بشكل غير منطقى لجذب المسافرين وإيهامهم بوجود عروض استثنائية».

وواصل: «الشركات الوهمية ليست ظاهرة جديدة، لكنها تفاقمت مع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى. وشهر رمضان وموسم الحج يمثلان ذروة نشاط هذه الكيانات، حيث ترتفع معدلات النصب مقارنة بباقى شهور السنة».

وأرجع ذلك إلى ارتفاع تكلفة برامج الحج والعمرة، خاصة فى شهر رمضان أو موسم الحج، ما يدفع البعض للبحث عن أسعار أقل، فيقعون فريسة للإعلانات المضللة. بينما تكون الخدمة خلال باقى العام أقل نشاطًا ومستوى النصب فيها محدودًا نسبيًا.

وأكمل: «كما أن قلة التأشيرات المخصصة للحج، والتى قد لا تتجاوز ٨٠ ألف تأشيرة، تُعد عاملًا رئيسيًا فى زيادة عمليات النصب، حيث يستغل المحتالون هذا النقص لإيهام المواطنين بقدرتهم على توفير التأشيرات بأسعار مغرية».

وشدد على أن المواطن يتحمل جزءًا من المسئولية عندما ينساق وراء إعلانات غير معروفة، دون التوجه إلى مقر شركة سياحة معتمدة، مشيرًا إلى أن وزارة السياحة تكثف جهودها لغلق الشركات الوهمية، لكن تبقى توعية المواطن خط الدفاع الأول للحد من هذه الجرائم، وحماية أموال الراغبين فى أداء المناسك.

عضو «شركات السياحة»:  تشديد العقوبات هو الحل

قال إيهاب المليجى، عضو غرفة شركات السياحة، إن ظاهرة الشركات الوهمية التى تمارس نشاط تنظيم رحلات الحج والعمرة ليست جديدة، بل ممتدة منذ سنوات طويلة، وما زالت مستمرة حتى الآن، مشيرًا إلى أن هذه الكيانات غير الشرعية تمثل تهديدًا حقيقيًا للمواطنين ولسمعة القطاع السياحى ككل. ورأى «المليجى» أن الدور الأكبر فى مواجهة هذه الظاهرة يقع على عاتق السلطة التنفيذية، من خلال محاربة الكيانات غير القانونية بجدية، لافتًا إلى أن غرفة شركات السياحة تتلقى شكاوى وبلاغات من المواطنين بشأن هذه الشركات، ويتم إخطار الجهات المعنية بها، إلا أن هذه الإجراءات لم تنجح حتى الآن فى السيطرة الكاملة على الوضع القائم. واعتبر عضو غرفة شركات السياحة أن القوانين الحالية عاجزة عن ردع هذه الكيانات بشكل حاسم، موضحًا أن وزارة السياحة تكتفى فى كثير من الأحيان بإجراءات الغلق الإدارى فقط، وهو ما لا يمثل عقوبة رادعة، الأمر الذى يتطلب توقيع عقوبات أشد وأكثر صرامة لوقف نشاط هذه الشركات، التى تستغل المواطنين، وتحقق أرباحًا غير مشروعة.

وشدد «المليجى» على أهمية تفعيل دور شرطة السياحة، واتخاذ إجراءات أقوى دون انتظار تقديم شكاوى من المواطنين، معتبرًا أن تقاعس بعض المواطنين عن المطالبة بحقوقهم يجعلهم شركاء بشكل غير مباشر فى استمرار هذه الظاهرة، قبل أن يطالب بتوعية المواطنين والضرب بيد من حديد لردع هذه الجرائم، بما يحمى المواطن، ويصب فى مصلحة الدولة.

الداخلية تضبط 20 شركة مزيفة تروّج لرحلات حج وعمرة بأسعار مخفضة

تمكنت وزارة الداخلية مؤخرًا من الإيقاع بعدد من الشركات السياحية المزيفة، التى كانت تروج لرحلات حج وعمرة وهمية، بالإضافة إلى برامج سياحية ترفيهية، وعقود عمل مزيفة، بعد أن اتضح أنها تعمل خارج إطار القانون.

وأوقعت الداخلية بأكثر من ٢٠ شركة، تخصص أصحابها فى بيع رحلات الحج والعمرة الوهمية، مع تقاضى مبالغ طائلة من المواطنين، بزعم تسهيل إجراءات سفرهم بأسعار مخفضة عن المتعامل به فى سوق السياحة المصرية، لتستولى على ملايين الجنيهات.

محامٍ: عقوبة المخالفة 3 ملايين جنيه والحبس لصاحب الشركة

قال المحامى على صبرى عسكر، المحامى بالاستئناف العالى ومجلس الدولة، إن الحكومة أصدرت عام ٢٠٢١ قانونًا منظمًا لرحلات الحج والعمرة، تضمن إطلاق «البوابة المصرية للعمرة»، بهدف إحكام الرقابة على هذا القطاع ومنع أى تجاوزات، وأوضح أن القانون ألزم جميع شركات السياحة الراغبة فى العمل بالحج والعمرة بالتسجيل على البوابة، مع إدراج العقود المبرمة مع الوكلاء السعوديين، لضمان تنظيم الرحلات وحماية حقوق المواطنين.

وأضاف «عسكر» أن القانون وضع عقوبات مالية رادعة على الشركات المخالفة، تبدأ من ٥٠٠ ألف جنيه وتصل إلى ٣ ملايين جنيه، فى حال مخالفة أى من الضوابط المحددة، سواءً بعدم تسجيل العقود على البوابة المصرية للعمرة، أو ممارسة النشاط دون الحصول على الترخيص اللازم للعمل فى مجال الحج والعمرة، وأكد أن هذه الغرامات تهدف إلى ردع الكيانات غير الشرعية وضبط السوق السياحية.

وأشار إلى أنه فى حالة تكرار المخالفة تتضاعف العقوبات المقررة، وقد تمتد لتشمل المسئولية الجنائية لصاحب الشركة نفسه، حال ثبوت علمه بالمخالفة، حيث تصل العقوبة إلى الحبس، كما شدد على أن القانون أجاز إلغاء الترخيص وغلق الشركة نهائيًا، بما يعكس جدية الدولة فى مواجهة الشركات الوهمية وحماية المواطنين من عمليات النصب والاستغلال.

 

خبير تكنولوجيا: تستخدم «أدوات الاستهداف الإعلانى» فى الإيقاع بالضحايا

قال الدكتور أسامة مصطفى، خبير تكنولوجيا المعلومات، إن «السوشيال ميديا» لعبت دورًا محوريًا فى انتشار شركات الحج والعمرة الوهمية، مستغلة أدوات الاستهداف الإعلانى الدقيقة على منصات مثل «فيسبوك» و«إنستجرام»، للوصول إلى فئات بعينها لديها رغبة قوية فى أداء المناسك.

وأَضاف «مصطفى»: «هذه الصفحات تعتمد على مخاطبة المشاعر الدينية بشكل مباشر، مع تقديم عروض بأسعار أقل بكثير من السعر الرسمى، ما يجذب المواطنين محدودى الدخل، ويجعلهم أكثر قابلية للوقوع فى فخ الاحتيال».

وواصل: «خوارزميات التوصية فى منصات التواصل الاجتماعى تُسهم بشكل غير مباشر فى تضخيم الظاهرة، حيث تؤدى تفاعلات المستخدمين مع المحتوى الدينى إلى تكرار ظهور هذه الإعلانات الوهمية على شاشاتهم».

وأكمل: «تلك الشركات تعتمد على إنشاء صفحات تبدو رسمية، مدعومة بمراجعات مزيفة وتعليقات إيجابية من حسابات وهمية، فضلًا عن الرد السريع على الاستفسارات لإضفاء مصداقية زائفة تعزز ثقة الضحايا المحتملين. كما أن بعض هذه الكيانات يلجأ إلى استغلال مؤثرين صغار أو حسابات دينية غير موثوقة للترويج لعروضها، مستخدمة صورهم ومقاطع فيديو قصيرة لإقناع الجمهور بجدية النشاط».

وتابع: «وصول هذه الإعلانات إلى أعداد كبيرة رغم مخالفتها القانون يعود إلى ضعف الرقابة الاستباقية على المحتوى الإعلانى، إلى جانب استخدام أساليب مراوغة مثل تغيير أسماء الصفحات باستمرار، وتشغيل حسابات احتياطية تضمن استمرار النشاط عند إغلاق أى حساب».

ورأى خبير تكنولوجيا المعلومات أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تحركًا جماعيًا، يبدأ بتعزيز التعاون بين منصات «السوشيال ميديا» والجهات الرسمية، مرورًا بإطلاق حملات توعوية مستمرة عبر الإعلام والمساجد، وانتهاءً بتسهيل آليات الإبلاغ عن الإعلانات الوهمية والاستجابة السريعة لها.

وشدد على أهمية نشر قوائم رسمية محدّثة بالشركات المعتمدة، معتبرًا أن حماية المواطنين من النصب الإلكترونى فى مواسم الحج والعمرة أصبحت ضرورة ملحة فى ظل التوسع الرقمى المتسارع.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق