الترانيم.. هذه القوالب الشعرية المُلحّنة التي يمكنك أن تصوغ داخلها العقيدة أو المشاعر التي يُقدّمها الفرد المؤمن لله، والشكر على عطاياه، أو مدحه في جميع قدّيسيه، كما يقول المرنم داود في مزموره الـ150.
ولذلك، فعلى الرغم من أن الترنيمة هي الصلاة الأقرب والأسهل على القلب واللسان، إلا أنها في قمة الخطورة؛ لأنه ثبت تاريخيًا أنها قد تُستخدم من قبل الهراطقة، مثلما فعل أريوس الهرطوقي الذي صاغ عقيدته الفاسدة في هيئة قوالب وترانيم ليسهل تلقينها للشعب، مما دفع البابا الـ20 أثناسيوس المُلقب بالرسولي إلى صياغة قانون الإيمان في قالب ثابت يردده المسيحيون في مصر والعالم أجمع حتى الآن.
هذه السمات الخاصة بالترنيمة دفعت الأقباط إلى استخدامها في الاحتفالات المختلفة، عملًا بقول: «أَمَسْرُورٌ أَحَدٌ؟ فَلْيُرَتِّلْ»، فأصبحت هناك ترانيم تخص القيامة، وأخرى للميلاد، وأخرى تمجّد اسم الله العامل في حياة القديسين، وأولهم السيدة مريم العذراء، قُرّة أعين المصريين بمختلف انتماءاتهم وتياراتهم.

الكنيسة المعتدلة..
تحرص الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، في كافة خطواتها، على أن تنتهج منهج الاعتدال والوسطية، فلا إفراط ولا تفريط، ولا تهميش ولا مغالاة، في أي شيء، حتى في الصلاة نفسها، وذلك عملًا بقول الكتاب المقدس: «فَمَا هُوَ إِذًا؟ أُصَلِّي بِالرُّوحِ، وَأُصَلِّي بِالذِّهْنِ أَيْضًا. أُرَتِّلُ بِالرُّوحِ، وَأُرَتِّلُ بِالذِّهْنِ أَيْضًا».
فصار المنهج الاعتدالي الوسطي يُسلَّم من جيل إلى جيل، ليعمَّم في كل النواحي، حتى في محبة الأقباط لأم النور أو السيدة العذراء، التي يُحتفل حاليًا فترة الصوم التي صامها تلاميذ السيد المسيح، لاستعلان إصعاد جسدها الطاهر السماء وإعادة الرؤية التي رآها توما الرسول، على مرآى التلاميذ.
إلا أنه، وعلى الرُغم من ذلك فقط اعترف أحد مُدَّاح السيدة العذراء في أحد أشهر الأناشيد بالمُغالاة في مدح السيدة العذراء، فقد قال الشاعر: والذي يُرجح أن يكون أبو السعد الأبوتيجي- غالت فيكي المُدَّاح يا بهجة الأرواح، وعلى الرُغم من وضوح كلمة غالت التي تُشير إلى وجود مغالاة في المدح، بعكس منهج الوسطية، إلا أن هناك من يردد هذا الربع بكل أريحية، بل يُردد بعض العبارات الآخرى في ترانيم مُتعددة، تتسم بالمغالاة بشكل نسبي.
غالت فيكي المُدَّاح
لفت هذا التعبير، أنظار الشاعر رمزي بشارة المُلقب بـ«بحر الكلام»، الذي قرر أن يقدم عملًا فنيًا «ترنيمة» ليسلط الضوء على بعض أنواع المغالاة التي اعترف بها «الأبوتيجي»، وذلك عملًا بقول الكتاب المقدس: «وَبِّخْ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ»، وجاء ذلك تحت غطاء كنسي متكامل؛ فراجعها لاهوتيًا الدكتور القمص بيشوي حلمي، أستاذ اللاهوت العقيدي بالكلية الإكليريكية بالأنبا رويس، بينما قام بأدائها الدياكون الشماس بولس ملاك، وثلاثة من الآباء الكهنة، وهم: القس نوفير القمص سدراك، والقس بيجول عادل، ومن السودان الشقيق القس جوزيف جون.

«الدستور» في الكواليس
شاركت «الدستور» مراحل خروج العمل إلى النور، كما حصلت حصريًا على عدد من أبيات الترنيمة، فجاء قراراها كالآتي: «غالَت فيكي المُدّاح.. بس إحنا قُلنا لاه كنيستنا المُستقيمة كنيسة.. مالهاش فـ المُغالاة لا إفراط ولا تفريط.. لا تهويل ولا تهوين بنمدح باعتدال أصل إحنا.. أرثوذكسيين»، ثم أخذ الكاتب يُناقش عدد من الأفكار مثل:

مريم ملكة القلوب
فكثيرًا ما يتغنى محبي أم النور، بكلمات تدعو لتمليكها على القلوب، إلا أن هذا الفكر في أصله فكرًا مغايرًا للعقيدة القبطية الأرثوذكسية، فتمليك مريم على القلوب، عقيدة غير أرثوذكسية بالمرة، حيث يُنادي المؤمنين بهذا الفكر بأنه بما أن مريمُ هي ملكةُ السماء والأرض بالنعمة، إذن أيضًا ملوكيةُ مريم هي أوليًا في داخل الإنسان، أي في نفسه، وهي ممجدة رئيسيًا في النفوس مع ابنها أكثر مما في كل الخلائقِ المنظورة الأُخرى، لذا بوُسعنا أن نسميها مع القديسين «بملكة القلوب».
والحقيقة أن الكنيسة الأرثوذكسية لا تؤمن بأن السيدة العذراء هي "ملكة القلوب" بالمعنى المطلق الذي يجعلها مركز محبة المؤمنين أو موضوع الاتكال والخلاص، لأن القلب أولًا وأخيرًا هو للمسيح وحده، والدليل الكتابي أن الله يقول «يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ» (أم 23: 26)، فالمحبة الأولى والأعظم يجب أن تكون لله: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ» (مت 22: 37)، كما أن المسيح وحده يسكن في قلوب المؤمنين: «لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ» (أف 3: 17) والعذراء نفسها وجَّهت الأنظار إلى المسيح لا إلى ذاتها: «مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ» (يو 2: 5).

عقيدة الحبل بلا دنس
قد يترنم أيضًا البعض بكلمات تمس عقيدة الحبل بالسيدة مريم العذراء، إذ تؤمن كنائس غير أرثوذكسية بأن السيدة مريم العذراء حُبِل بها بلا دنس، وولدت دون الخطية الأصلية، وهو ما ترفضه الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إذ تشير إلى أنه لو كانت السيدة مريم العذراء قد وُلدت بلا خطية، لما احتاجت إلى الفداء، ولما كان هناك معنى لاحتياجها إلى الخلاص مثل باقي البشر.
فالكتاب المقدس يعلن شمول البشرية كلها تحت نتائج سقوط آدم: «إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ» (رو 3: 23)، والعذراء نفسها اعترفت باحتياجها إلى المخلِّص: «تَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي» (لو 1: 47)، فلو كانت مستثناة من الحاجة إلى الخلاص لما دعته "مخلِّصي"، كما أن المسيح وحده هو الذي بلا خطية: «لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً» (1بط 2: 22).
الغفران لا يُسأل إلا من الله فقط..
كانت من أهم الأفكار التي تناولها العمل، فكرة عدم جواز سؤال الغفران من أحد غير الله، فالكنيسة الأرثوذكسية لا تعلّم أن القديسين أو العذراء يغفرون الخطايا، لأن غفران الخطايا هو سلطان الله وحده.
فالكتاب المقدس يقول: «مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟» (مر 2: 7)، لذلك لا نقول للقديسين: "اغفروا لنا خطايانا"، بل نطلب صلواتهم وشفاعتهم أمام الله، كما نطلب من المؤمنين الأحياء أن يصلوا لأجلنا.

هل هناك شفاعة في «يوم الزحمة»؟
محبو القديسون وعشاق السيدة العذراء، قد يترنمون بكلمات يطلبون فيها الشفاعة في يوم الزحمة، وهو مصطلح شعبي يُطلق على اليوم الأخير أو يوم الدينونة، بينما تلفت الترنيمة أنظار المستمعين، إلى عدم وجود أي نفع لأي شفاعة في اليوم الأخير، وهو يوم الدينونة، إذ يقول المزمور: «لأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَوْتِ ذِكْرُكَ. فِي الْهَاوِيَةِ مَنْ يَحْمَدُكَ؟» وتقول قطع صلاة النوم: «لأن التراب في القبر لا يسبح، وليس في الموتى من يذكر، ولا في الجحيم من يشكر».
الشفاعة التوسلية والعصا السحرية
تسيطر فكرة على البعض تناقشها الترنيمة، تتمثل في أن القديسين أو السيدة العذراء يمسكون العصا السحرية، وكل من يطلب منهم طلب سيناله في التو واللحظة، في مشهد أشبه بطلبات علاء الدين من الجني الساكن بالمصباح، وعلى الرُغم من أن الكنيسة تؤمن بقوة طلبة السيدة العذراء أمام عرش الله، إلا أن الفكر الأرثوذكسي والكتابي يُشير إلى أن «لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ» (جا 3: 1)، فالقديسون والعذراء يصلّون ويشفعون، أما المعجزة لا تحدث بمجرد طلبها أو في التوقيت الذي يحدده الإنسان، بل عندما يرى الله أن وقتها قد جاء: «أَنَا الرَّبُّ أُسْرِعُ بِهِ فِي وَقْتِهِ» (إش 60: 22)، وهو ما حدث مع أبطال الإيمان مثل يوسف وموسى وأيوب ونوح وغيرهم.
السنة القبطية فيها أيام روحية غير الأيام دية
ناقشت الترنيمة أيضًا فكرة الإشارة إلى أن أيام صيام الكنيسة على غرار الرسل، لاستعلان صعود جسد العذراء، هي من أفضل أيام السنة؛ مع التأكيد على أن ذلك وصف غير جائز أو غير دقيق أو غير صحيح هناك أصوام سيدية كبرى تملؤها البركة، مثل الصوم الكبير، والأعياد الأخرى مثل الميلاد والبشارة والقيامة.
ويتجلى ذلك في الأبيات: أيامها الحلوة كتير صيامها ده بَرَكَة وخير وِسَبعَة وَأربعة فِـ كيهك كمان ده شهر التسبيحات سَبَع ثيؤطوكيات وكمان أربع هُوسات كنيسة بتحِب العدرا الغالية شَفيعة المُستحيلات لكن السنة القبطية فيها أيام روحية غير الأيام دية فيه أعياد سَيِّدِيَّة مُش أحلى خمستاشر يوم كدا فيه أيام زعلانة فين البشارة والميلاد والغطاس وشعانين وأسبوع الآلام والقيامة؟

بذلك يكون الشاعر رمزي بشارة قد أوضح في ترنيمة "غالت فيكي المداح" أن هناك عناصر مهمة واجب مراعاتها في الترانيم، مثل عدم المغالاة، وتخصيص المجد لله، وأن تكون أهداف الترانيم أهدافًا روحية فقط، بالإضافة إلى توضيح الفكر العقيدي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية تجاه عقيدة الحبل بلا دنس، والشفاعة في اليوم الأخير أو يوم الدينونة، وعدم جواز طلب الغفران من أي أحد غير الله فقط.
ما يميز ترنيمة "غالت فيكي المداح" التي قام بتوزيعها وتسجيلها مهندس الصوت والموزع بيشوي صفوت، أنها لا تقدم مجرد لحن روحي، لكنها تحمل رسالة تعليمية ولاهوتية واضحة، تجمع بين محبة العذراء والحفاظ على مركزية المسيح.
فالعمل الفني هنا يصبح مساحة للحوار والتأمل؛ لأنه يناقش قضية تمس الممارسة اليومية للمؤمن: كيف يحب، وكيف يكرم، وكيف يحافظ على إيمانه في إطار الكنيسة وتعاليمها.














0 تعليق