مضيق هرمز يفقد قيمته.. إيران تخسر أهم أوراقها الاستراتيجية في الحرب الأمريكية

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كشفت شبكة "سي إن إن" الأمريكية، عن أن إيران والولايات المتحدة تتمسكان بروايات متعارضة بشأن السيطرة على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، لكن الواقع على الأرض يبدو أكثر تعقيدًا من الصورة التي يحاول الطرفان تقديمها، إذ لا تزال حركة الملاحة محدودة بشكل كبير، ما يعكس استمرار قدرة طهران على التأثير في حركة الشحن، رغم محاولات واشنطن تأكيد قدرتها على تأمين مرور السفن.

إيران تفقد مضيق هرمز

وتظهر بيانات حركة السفن أن عدد العبور اليومي عبر المضيق لا يزال يمثل نسبة ضئيلة للغاية مقارنة بالمعدلات الطبيعية قبل اندلاع الحرب، حيث كان يمر عبره نحو 130 سفينة يوميًا، بينما أصبحت عمليات العبور الحالية بالكاد تصل إلى أرقام من خانتين في كثير من الأحيان.

وبحسب شركة كبلر المتخصصة في تتبع حركة السفن عبر إشارات الأقمار الصناعية وأجهزة التعريف البحرية، فإن متوسط عبور ناقلات النفط العملاقة المحملة بالنفط الخام بلغ نحو ناقلتين إلى ثلاث ناقلات فقط يوميًا منذ السابع من يوليو، مقارنة بنحو ثماني ناقلات يوميًا قبل الحرب.

ورغم انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق، فإن كميات متزايدة من النفط باتت تجد طرقًا بديلة لتجاوز مضيق هرمز، أو تعتمد على الحماية الأمريكية، إضافة إلى عمليات نقل من سفينة إلى أخرى لنقل النفط بشكل أكثر سرية خارج منطقة الخليج.

ويرى محللون أن استمرار تدفق النفط عبر المضيق، حتى وإن كان بوتيرة أقل، يقلل من فاعلية ورقة الطاقة التي تستخدمها إيران، كما يخفف الضغوط على أسعار النفط الخام وأسعار الوقود في الأسواق العالمية، وهو ما يمنح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساحة زمنية أكبر لمواصلة الضغط على طهران على أمل دفعها إلى التراجع.

وتراهن الولايات المتحدة على أن الضغوط الاقتصادية يمكن أن تحقق ما لم تنجح القوة العسكرية في تحقيقه حتى الآن، وهو إجبار النظام الإيراني على تقديم تنازلات، لكن طهران لا تبدو مستعدة للاستسلام رغم تصاعد الضغوط على اقتصادها وصادراتها النفطية، كما تواصل استهداف السفن في المنطقة، ما يؤدي إلى اضطراب إمدادات الطاقة العالمية.

وقال خورخي ليون، رئيس قسم التحليل الجيوسياسي في شركة ريستاد إنرجي، إن الوضع الحالي أصبح أشبه بمعركة انتظار لمعرفة الطرف الذي سيتراجع أولًا، موضحًا أن الألم الاقتصادي في إيران أكبر من الولايات المتحدة في الوقت الحالي، لكن الضغط السياسي على طهران أقل بكثير.

وأضاف أن هناك تناقضًا بين حجم المعاناة الاقتصادية التي تواجهها إيران وقدرة القيادة الإيرانية على تحملها، مشيرًا إلى أن النظام الإيراني اعتاد التعامل مع أزمات طويلة الأمد.

وتلقى الاقتصاد الإيراني ضربة قوية نتيجة الحرب والضغوط الأمريكية المتزايدة، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي انكماشه بأكثر من 5% خلال العام الحالي، وهو أسوأ تراجع اقتصادي تشهده البلاد منذ نحو أربعة عقود.

كما تقترب معدلات التضخم من 80%، بينما تراجع سعر صرف الريال الإيراني إلى مستويات قياسية أمام الدولار، ما دفع العديد من الإيرانيين إلى شراء السلع الأساسية بالاعتماد على الائتمان بسبب تراجع القدرة الشرائية.

لكن محللين يرون أن إدارة ترامب قد تكون تقلل من قدرة إيران على تحمل الأزمات، إذ اعتاد المواطنون الإيرانيون على العقوبات الاقتصادية الممتدة منذ سنوات، ولم تظهر حتى الآن احتجاجات واسعة ضد النظام، بل يبدو أن الحرب عززت موقف القيادة الإيرانية داخليًا.

وقال جريجوري برو، المحلل البارز في مجموعة أوراسيا للاستشارات السياسية، إن القيادة الإيرانية مستعدة لتحمل المزيد من الألم الاقتصادي، مشيرًا إلى أن إيران تمكنت من تجاوز عقود من العقوبات الأمريكية، إضافة إلى حرب طويلة، دون أن تتراجع عن مواقفها.

وتسعى الولايات المتحدة إلى زيادة الضغط على إيران عبر خنق صادراتها النفطية وفرض قيود على موانئها، حيث تراجعت عمليات تحميل النفط على الناقلات الإيرانية إلى مستويات منخفضة للغاية مقارنة بالفترة الممتدة بين فبراير وأبريل.

وقال هومایون فلاكشاهي، رئيس تحليل النفط الخام في شركة كبلر، إن إيران لديها نحو 80 مليون برميل من النفط في البحر خارج نطاق الحصار، معظمها موجه إلى الصين، وهو ما يمكن أن يدر عليها نحو 1.5 مليار دولار شهريًا وفق الأسعار الحالية.

وأضاف أن طهران، بمعدل تفريغ يبلغ نحو 650 ألف برميل يوميًا، تمتلك إيرادات تصدير تكفي لنحو أربعة أشهر تقريبًا، موضحًا أن الوضع يشبه تآكلًا تدريجيًا وليس انهيارًا مفاجئًا.

في المقابل، ظل الاقتصاد الأمريكي أكثر قدرة على امتصاص تداعيات الحرب، لكن ارتفاع أسعار البنزين إلى أكثر من 4 دولارات للجالون في المتوسط بدأ يفرض ضغوطًا سياسية على ترامب، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل.

وقال دان ألاميريو، كبير الاستراتيجيين الجيوسياسيين في شركة ألباين ماكرو التابعة لأوكسفورد إيكونوميكس، إن الحرب غير الشعبية وارتفاع أسعار الوقود يمثلان تكلفة سياسية على ترامب، لكنه أشار إلى أن الانسحاب الفوضوي من الشرق الأوسط سيكون أكثر ضررًا.

وأضاف أن الناخبين الأمريكيين لا يفضلون الرؤساء الذين يخسرون الحروب.

وقال ديميتريس مانياتيس، الرئيس التنفيذي لشركة ماريسكس المتخصصة في الأمن البحري، إن إيران تمارس سيطرة شبه كاملة على مضيق هرمز من خلال التهديد باستخدام القوة ضد السفن.

ورغم النفوذ الإيراني، قال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت إن نحو 15 مليون برميل من النفط تتدفق يوميًا من الخليج، سواء عبر المضيق أو من خلال خطوط الأنابيب، وهو جزء كبير من إجمالي صادرات المنطقة التي كانت تبلغ نحو 20 مليون برميل يوميًا قبل الحرب.

لكن شركات تتبع السفن، من بينها كبلر، تقدم تقديرات أقل بكثير، مشيرة إلى أن عمليات الرصد أصبحت أكثر صعوبة، إذ تلجأ العديد من الناقلات إلى ما يعرف بالعبور المظلم، عبر إيقاف أنظمة التعريف الآلي الخاصة بها لتجنب اكتشاف مواقعها.

كما تعتمد بعض السفن على عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى خارج مضيق هرمز لإخفاء مساراتها.

وأوضح مانياتيس أن إيران غالبًا ما تغض الطرف عن هذه العمليات، خاصة عندما تكون السفن مرتبطة بمصالح إيرانية أو روسية أو صينية أو تركية.

وأشار إلى أن إغلاق نظام التعريف الآلي للسفينة لا يجعلها غير مرئية، إذ تظل تصدر إشارات إلكترونية أخرى يمكن رصدها، موضحًا أن السفن الكبيرة لا يمكنها الاختباء بالكامل في البحر.

وأضاف أن إيران إذا أرادت استهداف سفينة معينة فلن تعتمد فقط على بيانات نظام التعريف الآلي.

وأكدت الشبكة الأمريكية أنه في الوقت الراهن، يوفر استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز متنفسًا مهمًا لأسواق الطاقة العالمية، لكنه قد يؤدي بشكل غير متوقع إلى إطالة أمد الحرب، إذ يقلل من الضغوط التي تدفع الطرفين إلى التوصل لتسوية.

وقال دان ألاميريو إن استمرار عبور شحنات النفط عبر المضيق قد يزيد احتمالات استمرار الحرب حتى عام 2027، موضحًا أن عدم حدوث ارتفاع كبير في أسعار النفط، مع استمرار حصول إيران على إيرادات كافية للحفاظ على النظام، يقلل من شعور الطرفين بالحاجة إلى إنهاء الصراع سريعًا.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق