هل ChatGPT مخبر؟ باحث في الإعلام الرقمي يوضح "الخصوصية الخوارزمية"

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم يعد الإنسان يفتح قلبه للآلة بحثًا عن إجابة فحسب، بل بات يضع أمامها تفاصيل حياته، مخاوفه، أسراره، وانفعالاته التي ربما لا يجرؤ على مشاركتها مع أقرب الناس إليه، وبضغطة زر تتحول المحادثة التي تبدو وكأنها تدور في غرفة مغلقة بين شخص وروبوت، قد تترك خلفها أثرًا رقميًا لا يعرف صاحبه أين ينتهي ومن يمكن أن يراه. 

القصة الأخيرة للمالي السابق في جولدمان ساكس، البالغ من العمر 25 عامًا دارين تشو، تفتح الباب على أحد الملفات المهمة هل ما تكتبه لـChatGPT  يظل فعلًا بينك وبينه؟ فبحسب سجلات القضية تضمنت محادثات "تشو" مع روبوت الدردشة تهديدات بالقتل ضد صديقته السابقة، قبل أن ترصد أنظمة OpenAI المحادثات وتحيل المعلومات إلى الـFBI، لتتحول الكلمات التي كتبت على شاشة إلى جزء من ملف جنائي انتهى باعتقال صاحبها. 

لكن القضية تتجاوز مصير شاب واحد إلى سؤال أكبر عن حدود الخصوصية في زمن أصبحت فيه الآلة خازن أسرار لأدق تفاصيل البشر.. "الدستور" تواصلت مع ربيع فهمي، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي والاتصال المؤسسي لمعرفة حدود سرية ما يكتبه المستخدم، ومن يمكنه الوصول إلى هذه البيانات، ومتى يمكن أن تغادر المحادثة نطاقها الخاص.

لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كـ"صندوق أسرار مغلق"

في البداية يقول "فهمي" إن كثيرًا من المستخدمين باتوا يتعاملون مع ChatGPT باعتباره أكثر من مجرد أداة تقنية؛ فهو بالنسبة للبعض مساحة آمنة للفضفضة وطرح الأسئلة التي قد يصعب مشاركتها مع الآخرين، خاصة مع سرعة الاستجابة وغياب الأحكام المباشرة، لكن هذا الشعور بالأمان قد يكون مضللا إذا دفع المستخدم إلى التعامل مع المنصة باعتبارها "صندوق أسرار مغلقًا"، لأن ما يكتبه يظل في النهاية بيانات رقمية تخضع لشروط وسياسات المنصة وطبيعة استخدامها، وهنا يجب أن نفرق بين شعور الإنسان بالخصوصية وبين الخصوصية باعتبارها حقا له ضوابط وحدود.

وتابع المتخصص في الإعلام الرقمي والاتصال المؤسسي في حديثه مع "الدستور" أن محادثات الذكاء الاصطناعي يجب أن تعامل باعتبارها جزءًا من الخصوصية الرقمية للمستخدم، خصوصًا عندما تتضمن معلومات شخصية أو مهنية أو أسرية حساسة، لكن المشكلة أن التشريعات في كثير من الدول ما زالت تحاول اللحاق بالتطور السريع لهذه التكنولوجيا، بينما تتغير قدرات المنصات واستخداماتها بوتيرة أسرع بكثير، لذلك نحن أمام حاجة حقيقية إلى قواعد أكثر وضوحا تحدد ما الذي يمكن جمعه؟ وكيف يخزن؟ ومن يحق له الوصول إليه؟ ومتى يمكن مشاركته مع طرف ثالث؟ لأن المستخدم لا ينبغي أن يكتشف حدود خصوصيته بعد وقوع المشكلة.

وأكد "فهمي" في حديثه مع "الدستور" أنّه في المقابل، لا يمكن أن نضع شركات الذكاء الاصطناعي أمام خيار واحد بين حماية الخصوصية والتعامل مع المخاطر، عندما تتضمن محادثة تهديدا حقيقيا ووشيكا بإيذاء شخص آخر، تظهر مسؤولية مختلفة تماما، فهنا لا نتحدث عن رأي أو فكرة عابرة، وإنما عن احتمال خطر يستدعي التعامل معه وفق قواعد واضحة، فالتحدي الحقيقي هو وضع خط فاصل بين حماية المجتمع من خطر محتمل وبين التوسع في مراقبة المستخدمين، بحيث لا تتحول أنظمة الأمان إلى ذريعة للتدخل في كل محادثة شخصية. 

وأشار إلى أن وعي المستخدم العادي بطبيعة ما يحدث خلف شاشة المحادثة ما زال أقل بكثير من سرعة انتشار استخدام هذه الأدوات، فكثيرون يكتبون للذكاء الاصطناعي تفاصيل عن مشكلاتهم الصحية، وحياتهم العائلية، وأعمالهم، وبياناتهم المهنية، وأحيانا معلومات تخص أشخاصا آخرين، وكأنهم يتحدثون مع شخص لا يسجل ولا يحتفظ بأي أثر، لذلك يجب أن تتغير ثقافة الاستخدام نفسها. 

وأنهى "فهمي" حديثه بأن خلال السنوات المقبلة، لن يكون التحدي الأكبر الذي يواجه المستخدمين هو قدرة الذكاء الاصطناعي على معرفة المزيد عن الإنسان، وإنما قدرة الإنسان على فهم قيمة المعلومات التي يمنحها له، فنحن أمام انتقال من مفهوم الخصوصية التقليدي إلى مفهوم أكثر تعقيدًا يمكن تسميته "الخصوصية الخوارزمية"، حيث لا يقتصر السؤال على من قرأ معلوماتي، بل ماذا يمكن أن تستنتج الأنظمة منها، وكيف يمكن أن تستخدم هذه المعلومات لاحقًا، ولذلك فإن القاعدة الأهم التي يجب أن تترسخ لدى المستخدم هي أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة ذكية للمساعدة، وليس صديق تضع عنده كل أسرارك. 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق