قال عدد من الخبراء السودانيين إن ميليشيا «الدعم السريع» تواجه ضغوطًا متزايدة على عدد من جبهات القتال فى السودان، فى ظل استمرار العمليات العسكرية وتراجع قدرتها على التحرك بحرية فى بعض المناطق، خاصة بإقليم كردفان، الذى أصبح ساحة لمواجهات حاسمة بين الجيش السودانى والقوات المتحالفة معه، وبين قوات «الدعم السريع».
وأضاف الخبراء، لـ«الدستور»، أن أبرز التطورات، حاليًا، هو إعلان مجموعة تضم ٣١٨ مقاتلًا بقيادة اللواء موسى على أحمد، المعروف باسم «موسى خمسين»، الانشقاق عن ميليشيا «الدعم السريع» والانضمام إلى صفوف الجيش السودانى.
ووصلت المجموعة المنضمة حديثًا إلى مدينة الدبة بالولاية الشمالية على متن نحو ٥٠ عربة عسكرية بكامل أسلحتها وعتادها، معلنة عن تمسكها بوحدة السودان وانحيازها للجيش السودانى.
تأتى هذه التطورات بالتزامن مع محاولات من الجيش السودانى لاستعادة مناطق استراتيجية وقطع طرق الحركة أمامها، فى وقت تشير فيه التطورات الميدانية إلى احتدام الصراع حول محاور كردفان والنيل الأزرق وامتداده نحو جبهات أخرى.
هيثم محمود: الجيش استعاد زمام المبادرة وأمّن طريق صادرات «كردفان- الخرطوم»
أكد الباحث والكاتب الصحفى السودانى، هيثم محمود، أن الانقسامات المتزايدة داخل ميليشيا «الدعم السريع» تمثل مؤشرًا على تطورات صعبة تواجهها القوات خلال المرحلة المقبلة، معتبرًا أن هذه الانقسامات تأتى نتيجة طبيعية للتحديات الداخلية والضغوط العسكرية المتواصلة.
وأوضح «محمود» أن خروج عدد من القيادات والعناصر المؤثرة من صفوف «الدعم السريع» كان له تأثير كبير على تماسك القوات، مشيرًا إلى أن انشقاق نور الدبة، الذى وصفه بأنه كان من العناصر ذات التأثير داخل بنية الدعم السريع، شكل نقطة تحول أثرت بشكل مباشر على وضع القوات.
وأضاف أن انضمام عدد من المنشقين إلى صفوف القوات المسلحة السودانية أسهم فى تقديم معلومات مهمة حول طبيعة انتشار «الدعم السريع»، ومراكز التدريب، والمخازن والمستودعات، وأعداد القوات، ما انعكس على العمليات العسكرية التى نفذها الجيش فى إقليم كردفان.
ولفت إلى أن هذه المعلومات ساعدت القوات المسلحة فى استهداف مواقع تابعة لـ«الدعم السريع»، إلى جانب المساهمة فى فك الحصار عن مدينة الأبيض وتعزيز الانتشار العسكرى فى المنطقة خلال الفترة الأخيرة.
وقال إن الهجوم الأخير الذى شنته قوات «الدعم السريع» على منطقة جبرة الشيخ بطىء انتهى بتراجع القوات المهاجمة باتجاه دارفور، معتبرًا أن استمرار الانقسامات داخل «الدعم السريع» قد يؤدى إلى مزيد من التراجع فى صفوفها، خاصة مع اتساع الفجوة بين القيادات والقاعدة المقاتلة.
وحول التطورات العسكرية الأخيرة، أوضح أن القوات المسلحة السودانية تمكنت من تحقيق تقدم فى عدد من المحاور، خاصة فى إقليم كردفان، إذ استعادت زمام المبادرة ونجحت فى تأمين طريق الصادرات الرابط بين كردفان والخرطوم.
وذكر أن فتح الطريق أسهم فى تسهيل وصول الإمدادات والعتاد، وتأمين المناطق الحيوية، مشيرًا إلى أن وجود قوات «الدعم السريع» فى شمال كردفان أصبح يتركز فى جيوب محددة، تعمل القوات المسلحة على التعامل معها خلال الفترة المقبلة.
وفى جنوب كردفان، أشار إلى وجود حالة من التوتر داخل الحركة الشعبية بقيادة عبدالعزيز الحلو، معتبرًا أن هذه التطورات قد تؤثر على تحالفات القوى المسلحة فى المنطقة، بالتزامن مع تقدم القوات المسلحة وتراجع نفوذ قوات «الدعم السريع» وحلفائها.
أما بشأن محور النيل الأزرق، فرأى أن المنطقة لا تزال تعانى من مواجهات عنيفة، مشيرًا إلى أن القوات المسلحة تمكنت من استعادة السيطرة على بعض المناطق وإعادة ترتيب انتشارها العسكرى.
وأضاف أن ميليشيا «الدعم السريع» تحركت باتجاه منطقة قيسان بدعم من عناصر وقوات قادمة من دول مجاورة، إلا أن القوات المسلحة تواصل عملياتها لاستعادة السيطرة، وسط اشتباكات وصفها بأنها «ساخنة».
وأكد أن السيطرة على الأرض خلال الفترة الحالية، خاصة مع الظروف المناخية المرتبطة بموسم الأمطار، ستكون عاملًا مهمًا فى تحديد موازين القوة خلال المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أن الطرف الذى يثبت وجوده ميدانيًا ستكون لديه أفضلية فى إدارة العمليات خلال الفترة المقبلة.
عثمان ميرغنى: قيادات من الصفين الأول والثانى بالميليشيا تنحاز للجيش السودانى
قال عثمان ميرغنى، رئيس تحرير جريدة «التيار» السودانية، إن هناك تراجعًا كبيرًا حدث لميليشيا «الدعم السريع» خلال الأشهر الماضية، بفعل الخسائر البشرية المتواصلة التى تعرضت لها فى المعارك الدائرة بمسارح العمليات فى إقليمى كردفان ودارفور، مشيرًا إلى أن عاملًا آخر بدأ يؤثر بشكل كبير على تماسك هذه القوات من الداخل، يتمثل فى تزايد انحياز قيادات من الصفين الأول والثانى إلى جانب الجيش السودانى.
وأوضح «ميرغنى»: «من المتوقع زيادة الانشقاقات خلال الفترة المقبلة، خاصة مع استمرار الضغوط العسكرية على ميليشيات الدعم السريع»، لافتًا إلى أن انسلاخ مجموعات قتالية بكامل أسلحتها وعتادها وانضمامها إلى صفوف الجيش السودانى لا يمثل سوى «رأس جبل الجليد» لتطورات أكبر تتشكل بوتيرة متسارعة، لا سيما فى إقليم كردفان.
وأضاف أن طبيعة الوضع الجغرافى فى كردفان تسهل وصول المنشقين إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش السودانى، ما قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الانقسامات داخل قوات «الدعم السريع» خلال المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن هذه التحولات الداخلية تمثل تحديًا إضافيًا أمام ميليشيا «الدعم السريع»، التى تواجه فى الوقت نفسه ضغوطًا ميدانية متزايدة على عدة جبهات، مؤكدًا أن استمرار الانشقاقات قد يؤثر على قدرتها فى الحفاظ على تماسكها العسكرى والتنظيمى.
طاهر المعتصم: زلزال متواصل فى بنية القوات المتمردة
رأى الكاتب الصحفى السودانى، طاهر المعتصم، أن ما يحدث داخل قوات «الدعم السريع» يمكن وصفه بأنه «زلزال متواصل» داخل بنية القوات، فى ظل استمرار انضمام قيادات وعناصر مختلفة من صفوفها إلى جهات أخرى خلال الأشهر الماضية.
وأوضح «المعتصم» أن تواصل هذه الانشقاقات يعكس حجم الضغوط التى تواجهها ميليشيا «الدعم السريع» فى المرحلة الحالية، مشيرًا إلى أن هذه الضغوط لا ترتبط فقط بالتطورات العسكرية فى ساحات القتال، وإنما تمتد إلى الضغوط السياسية والدولية المتزايدة عليها.
وأضاف أن العقوبات الدولية المتكررة والبيانات الصادرة عن جهات دولية بشأن الانتهاكات المنسوبة إلى قوات «الدعم السريع» شكلت عاملًا إضافيًا فى زيادة الضغوط عليها، مؤكدًا أن استمرار هذه التطورات ينعكس على صورة القوات وتماسكها الداخلى.
وحول أبرز التطورات السياسية الأخيرة فى السودان، قال إن خطاب الفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، قائد القوات المسلحة، فى ١٤ أغسطس، تضمن طرح مبادرة لحوار سودانى- سودانى، مصحوبة بضمانات للمشاركين، من بينها حصانات إجرائية مؤقتة، إلا أن هذه الدعوة لم تجد قبولًا واسعًا لدى عدد من القوى المدنية والسياسية خارج دائرة المؤيدين للجيش السودانى.
وذكر أن بعض هذه القوى ترى أن القضية الأساسية لا ترتبط فقط بتوفير ضمانات أو حماية شخصية للمشاركين، وإنما تتمثل فى ضمان مستقبل الدولة السودانية والحفاظ على وحدتها، ومواجهة مخاطر تقسيم البلاد أو تفكيك مؤسساتها.
وأشار إلى أن هناك انتقادات وجهت إلى أهداف الحوار المطروحة، باعتبار أن وقف الحرب يجب أن يكون فى مقدمة الأولويات، وأن إنهاء القتال يمثل- حسب هذه الرؤية- المدخل الأساسى لمنع تفكك السودان ومعالجة الأزمة السياسية والإنسانية المتفاقمة.
ولفت إلى أن الموقف الأمريكى جاء فى سياق مختلف؛ إذ أكدت الخارجية الأمريكية دعمها لحوار «مملوك للسودانيين»، فى المكان الذى يختاره السودانيون، وبقيادة مدنية، بعيدًا عن سيطرة أى طرف، ما اعتبره البعض إشارة إلى تحفظات واشنطن على طبيعة المبادرة المطروحة من جانب قائد الجيش.
ونوّه بأن زيارة وفد من الاتحاد الإفريقى إلى الخرطوم شكلت تطورًا آخر فى المشهد، إذ أجرى الوفد لقاءات مع عدد من المسئولين السودانيين، ودعا إلى الدخول فى هدنة إنسانية ووقف لإطلاق النار، إلى جانب فتح مسار إنسانى وحوار سياسى شامل.
وأكد أن الاتحاد الإفريقى شدد على أهمية أن يكون الحوار السياسى مملوكًا للسودانيين وبقيادة مدنية، دون هيمنة أو سيطرة من أى طرف، فى محاولة للدفع نحو مسار سياسى يُنهى الحرب المستمرة ويعيد بناء مؤسسات الدولة.
وأضاف أن المشهد السودانى يمر بمرحلة دقيقة تتداخل فيها المسارات العسكرية والسياسية والدبلوماسية، إذ تتنافس المبادرات الداخلية والخارجية على تحديد شكل المرحلة المقبلة، فى ظل استمرار الحرب وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية للتوصل إلى حل ينهى الأزمة.













0 تعليق