تشهد مصر اليوم فرصة حقيقية لإعادة النظر في قانون الأحوال الشخصية، وهي فرصة لا ينبغي أن تُهدر كما أُهدرت فرص كثيرة من قبل. فالرئيس والحكومة أعلنا عزمهما على تحديث هذا القانون الذي يمس حياة ملايين الأسر، ويؤثر بصورة مباشرة في استقرار المجتمع ومستقبل أجياله. ومن ثم فإن النقاش الدائر حول مشروع القانون الجديد لا ينبغي أن يتحول إلى معركة بين الاتجاهات الفكرية أو الدينية، بل يجب أن يكون حوارًا وطنيًا جادًا يهدف إلى الوصول إلى تشريع أكثر عدلًا وأكثر قدرة على تحقيق المصلحة العامة.
إن قانون الأحوال الشخصية القائم ليس قانونًا وُلد بالأمس، بل تعود أصوله إلى عشرينيات القرن الماضي. وقد ظل طوال أكثر من قرن من الزمان يتعرض للتعديل والتطوير كلما ظهرت مشكلات جديدة أو تغيرت أوضاع المجتمع. وهذا أمر طبيعي، فالقوانين ليست نصوصًا مقدسة، وإنما أدوات لتنظيم حياة الناس، ومن ثم فإنها تتطور بتطور حاجاتهم ومشكلاتهم.
وخلال هذه العقود الطويلة تكوّنت حول القانون سوابق قضائية وأحكام لمحاكم مختلفة أسهمت في تفسير نصوصه وسد ثغراته ومعالجة أوجه القصور فيه. ولذلك كان من الممكن أن يكون الطريق الأقرب إلى السلامة التشريعية هو تطوير القانون القائم وتعديل مواده التي ثبت قصورها، والاستفادة من الخبرة القانونية والقضائية المتراكمة عبر أكثر من مائة عام.
لكن الحكومة اختارت مسارًا آخر، إذ جعلت من المشروعات التي قدمتها المؤسسات الدينية أساسًا للمشروع الجديد المعروض حاليًا على مجلس النواب. فالأزهر الشريف أعلن أنه في أبريل 2019 أعد مشروعا كاملا للأحوال الشخصية وفقًا لرؤيته الفقهية. كما أن الكنائس المصرية المختلفة تقدمت بمشروع قانون موحد اتفقت عليه سلطاتها الدينية بعد سنوات طويلة من الحوار والتنسيق فيما بينها.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يكفي أن تتقدم المؤسسات الدينية بمشروعات قوانين حتى تصبح هذه المشروعات هي الأساس الذي يُبنى عليه تشريع الدولة؟
لا أحد ينكر حق المؤسسات الدينية في إبداء الرأي، بل إن رأيها مطلوب في كل ما يتعلق بالأحوال الشخصية لأتباعها. لكن التشريع في الدولة الحديثة لا تصنعه المؤسسات الدينية وحدها، وإنما هو عمل تشترك فيه جهات متعددة: المشرع، والقاضي، ورجل القانون، وعالم الاجتماع، والخبير النفسي، والمتخصص في شؤون الأسرة والطفولة والمرأة، ومؤسسات المجتمع المهتمة بشئون الأسرة. فالقانون في النهاية لا ينظم حياة المؤمنين فقط، بل ينظم حياة المواطنين جميعًا.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الشريعة والقانون. فكثيرًا ما يختلط الأمر على الناس فيظنون أن كل رأي فقهي هو الشريعة ذاتها، وأن مخالفة هذا الرأي تعني مخالفة الشرع. والحقيقة أن الشريعة أوسع بكثير من اجتهاد واحد أو رأي واحد. فالتراث الفقهي الإسلامي نفسه قائم على تعدد الآراء واختلاف الاجتهادات، بل إن هذا التنوع كان دائمًا مصدر ثراء ومرونة مكّن المجتمعات الإسلامية من مواجهة أوضاع متغيرة عبر العصور.
ولهذا لا ينبغي أن يؤخذ أي رأي باعتباره التعبير الوحيد عن الشريعة.فالشريعة تسمح باجتهادات متعددة، وتتيح للمشرع مساحة واسعة لاختيار ما يحقق مصالح الناس ويدرأ عنهم المفاسد. والمطلوب من علماء التشريع ورجال القانون أن يصوغوا النصوص القانونية وفق احتياجات المجتمع ومتطلبات العدالة، ثم يستعينوا بالفقهاء للتحقق من عدم مخالفة هذه النصوص للمبادئ الشرعية.
إن النص الدستوري الذي يجعل مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، ويعترف كذلك بحق المسيحيين واليهود في الاحتكام إلى شرائعهم في أحوالهم الشخصية، لا يعني أن الدولة تحولت إلى دولة دينية أو أن قوانينها أصبحت مجرد نقل حرفي لنصوص دينية. فالدستور نفسه يؤكد الطبيعة المدنية للدولة، ويجعل التشريع عملًا وطنيًا يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة.
وأصل التشريع في الدولة الحديثة أن يحقق هذه المصلحة العامة، وأن ينظم العلاقات بين المواطنين على نحو يضمن العدالة والاستقرار. أما المرجعية الدينية فوظيفتها أن تضع الإطار القيمي والأخلاقي العام وألا تسمح بصدور تشريع يصطدم بالمبادئ الأساسية للشريعة أو للشرائع المعترف بها دستوريًا.
ومن هنا فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول أي مؤسسة دينية قدمت المشروع الأفضل، وإنما حول سؤال أكثر أهمية: هل المشروع المعروض يحقق مصلحة الأسرة المصرية؟ هل يحمي الأطفال؟ هل يحقق العدالة بين الزوجين؟ هل يقلل من النزاعات القضائية؟ هل يراعي التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع خلال العقود الأخيرة؟
ثم إن هناك سؤالًا أكبر يتجاوز قانون الأحوال الشخصية نفسه، وهو سؤال يتعلق بطبيعة الدولة التي نريدها. كيف ينبغي أن تُدار الدولة في مجتمع يضم مؤمنين وغير مؤمنين، وأتباع أديان ومذاهب مختلفة؟ كيف تنظم شؤون وطن فيه المسلم السني والمسلم الشيعي، وفيه المسيحي الأرثوذكسي والبروتستانتي والكاثوليكي، وفيه البهائي، وفيه الملحد واللاديني؟
هذا السؤال ليس نظريًا، بل هو من أهم أسئلة الدولة الحديثة. فالدولة لا تُبنى على أساس الانتماء الديني لمواطنيها، وإنما على أساس المواطنة.وهي لا تسأل المواطن عن عقيدته حين تمنحه حقوقه أو تطلب منه أداء واجباته. ولذلك فإن التشريع يجب أن ينطلق من فكرة المواطنة الجامعة، مع احترام الخصوصيات الدينية والثقافية للجماعات المختلفة.
إن الدولة التي تضم هذا التنوع لا تستطيع أن تُدار بمنطق الفئة الواحدة أو الرأي الواحد أو التفسير الواحد. وإنما تحتاج إلى قواعد قانونية عادلة تستوعب التعدد وتحمي حقوق الجميع. فالمواطنون قد يختلفون في الدين أو المذهب أو الرؤية الفلسفية للحياة، لكنهم يتفقون في حقهم في العدالة وفي حماية القانون لهم.
ولهذا فإن الفرصة المتاحة اليوم لمراجعة قانون الأحوال الشخصية ينبغي أن تتحول إلى مناسبة أوسع لإعادة التفكير في فلسفة التشريع ذاتها. نحتاج إلى قانون يحقق العدالة لا الانتصار لفريق على حساب فريق. نحتاج إلى قانون يحمي الأسرة لا أن يزيد صراعاتها. نحتاج إلى قانون يستفيد من التراث الفقهي والقانوني معًا، لا أن يقصي أحدهما لصالح الآخر.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تُختزل القضية كلها في صراع بين «الديني» و«المدني»، أو بين «الفقهاء» و«القانونيين». فالمجتمع يحتاج إلى الجميع، والدولة تحتاج إلى خبرات الجميع. وما لم تتكامل هذه الجهود فلن نصل إلى التشريع الذي يحقق المصلحة العامة ويحظى بالقبول المجتمعي الواسع.
لهذا أقول: لا تهدروا الفرصة السانحة. لقد طال انتظار إصلاح قانون الأحوال الشخصية، وتراكمت المشكلات التي تعاني منها الأسر المصرية، وأصبح من الضروري الوصول إلى تشريع متوازن يجمع بين احترام المرجعية الدستورية، والاستفادة من الخبرة القانونية، والاستجابة لمتطلبات الواقع الاجتماعي.
إن نجاح هذا المشروع لن يقاس بعدد المواد التي تُضاف أو تُحذف، بل بقدرته على تحقيق العدالة والاستقرار وحماية الأسرة المصرية. فإذا أحسنّا استغلال هذه الفرصة واصدرنا تشريعا مدنيا يحقق العدالة ويصلح لتنظيم شؤون كل أسرة مصرية، مسلمة كانت أم مسيحية، مع إفساح المجال للأطراف المعنية لمراعاة خصوصياتها الدينية حسب اختلاف العقائد والمذاهب والرؤى الفقهية، على قاعدة: لكل أحدٍ في نفسه وعلى نفسه لا على غيره، فسنكون قد خطونا خطوة مهمة نحو بناء دولة قانون حديثة تحترم الدين دون أن تتحول إلى دولة دينية، وتحافظ على مدنيتها دون أن تتنكر لقيم مجتمعها وتراثه.
أما إذا ضاعت هذه الفرصة في الجدل العقيم والصراعات الأيديولوجية، فسنعود بعد سنوات قليلة لنناقش المشكلات نفسها من جديد. وعندئذ لن يكون السؤال: كيف نصلح القانون؟ بل لماذا أضعنا الفرصة حين كانت متاحة أمامنا.














0 تعليق