الشاعر الإسبانى فرناندو بالبيردى: عثرت على «فردوس غرناطة المفقود» فى القاهرة الفاطمية

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من غرناطة الأندلسية إلى القاهرة الفاطمية، يحمل الشاعر الإسبانى فرناندو بالبيردى ذاكرة البحر المتوسط وأسئلته الكبرى حول الهُوية والمنفى والجمال، فيرى أن الشعر ليس علاجًا للمعاناة، بل وسيلة لمنحها معنى وكرامة إنسانية، وأن مهمة الشاعر اليوم ليست الحياد أمام الشر، بل الانحياز إلى الخير والجمال. 

وبينما يَعتبر «بالبيردى» نفسه ابنًا للأندلس والبحر المتوسط أكثر من انتمائه إلى حدود الدولة الحديثة، يؤمن بأن القصيدة الحقيقية قادرة على أن تزرع بذرة خير فى قلب إنسان واحد، وربما يكون ذلك كافيًا لتغيير العالم. فى حواره، مع «الدستور»، يتأمل الشاعر الإسبانى رحلته مع الشعر والترجمة، ويتحدث عن وشائج القرب بين مصر وإسبانيا، وعن أثر الفلسفة فى تشكيل رؤيته الشعرية، كما يكشف عن موقفه من الحروب والجوائز الأدبية والعالم الرقمى الصاخب.

■ من المكسيك إلى القاهرة.. كيف تنظر لرحلتك مع القصيدة من حضورها الحى فى الأداء والإلقاء حتى مسارها عبر اللغات خلال الترجمة؟ وهل حملت الترجمة النبض الداخلى لأشعارك؟

- إلى حد ما يصبح المترجم كاتبًا للقصيدة، يجب عليه إعادة صنع العمل الأدبى مستخدمًا جوهرًا جديدًا، وهنا تكمُن براعة لغته ومعرفته بالشعر والأساس هو تذوقه الجمالى، أنا لا أرى الترجمة كمسار واضح بين لغتين، بل إعادة صياغة بوسيلة أخرى لتبرز تفاصيل وعمقًا من نوع آخر. 

■ قد يكون هناك التقاء بين مصر وإسبانيا على مستوى الشعر.. لكن هل هو متحقق فى مجالات أوسع كالفن والعمارة؟ 

- وُلدت فى غرناطة، مدينة ورثت ثقافتها من العصر الإسلامى، وخلال سيرى فى القاهرة أرى التراث المعمارى الذى يذكّرنى بطفولتى، قبل بضعة أيام كنت أتجول فى القاهرة الفاطمية لأرى عائلة من الحرفيين الذين يصنعون الصناديق المرصعة والأصداف المزخرفة، وكنت قد رأيت ورش الحرف القديمة فى غرناطة قبل أن تُفسد الرأسمالية كل شىء.

■ الذكريات تظهر باستمرار فى شعرك.. كيف تنتهجها كعنصر أدبى ودافع إبداعى؟ وهل تؤمن بأن الشعر لديه القدرة على مداواة ألم الإنسان أم أنه يوضح ويكشف هذه الآلام فقط؟

- ليس دور الشعر أن يطيبنا، دوره الحقيقى أن يعطينا كبرياء لمقاومة المعاناة، أن يضيف الطابع الإنسانى لها لكى نستطيع أن نتصور كيف كانت معاناة الآخرين، وفى اللحظة التى نكون فيها قادرين على ذلك سيمكننا أن نختار بحرية بين الخير والشر.

■ كيف تعبر عن شعور الغربة من خلال أشعارك؟ وفى رأيك هل الغربة بالمكان أم بالوجدان؟

- غربتى وجدانية بالتأكيد. يمكننى أن أعود لوطنى كمكان، لكن وجدانيًا لم يعد موجودًا. لقد سُرق منى، استوطنت هوية دخيلة على معالم الأرض نفسها.

■ كيف شكلت دراستك الفلسفة والفقه اللغوى هويتك الشعرية؟ ولماذا أنت منجذب للقيم الجمالية والأخلاقية فى قصائدك؟

- الفلسفة والشعر لهما نفس الجوهر. لا يمكننى تصور واحد دون الآخر، فى الشعر الإيجاز والدقة أساسيان، وأيضًا القيم الجمالية والأخلاقية ترتقى بمعانى القصيدة، فأنا أفضل هذه القيم على القيم المادية التى صارت مربوطة فى الأذهان بمعانٍ كالجشع الذى أصبحنا أسرى له.

■ ما الذى تبقى بداخلك من غرناطة الأندلسية؟ وإلى أى مدى تقترب من إرث فريدريكو جارسيا لوركا ورفاييل ألبرتى؟

- أنا أشعر بأننى أندلسى أكثر من كونى إسبانيًا، وكما قال جارسيا لوركا: «لدىّ تعاطف فطرى تجاه الغجر والعرب والسود.. هذا هو الإرث الأندلسى الذى يعيش بداخلى»، أشعر بأننى ابن للبحر المتوسط برمته وليس لدولة واحدة فيه.

■ ماذا يعنى الشعر فى زمن سَمته الحروب والدمار؟ وهل تتفاعل مع كل شىء حولنا من خلال عقل الباحث أم من خلال وجدان وإحساس الشاعر؟

- الهدف الأسمى للشاعر هو ملاحقة الخير، وفى العصر الذى نعيشه الخير يقف أمام النظام، فالخير لا يمكن أن يكون حياديًا فى وجه الشر، والحيادية دائمًا متواطئة.

■ إلى أى مدى يمكن للشعر أن يتصدى للعنف والهمجية المعاصرة خصوصًا فى عصر هيمن عليه الضجة والتشوش الرقمى؟

- لقد اخترت مصطلحين فى غاية الذكاء، العنف والهمجية، وهما أثمن أصول الضجة الرقمية، وعلى الشعر أن يجابه ذلك بالرحمة والجمال دون السعى لفرض نفسه، فهو لا يمكنه مواجهة أقوى أداة للرأسمالية فى عصرنا، لا يمكنه التغلب عليه كليًا، لكن يمكنه أن يغرس نبتة الخير فى قلب شخص واحد، شخص يمكن أن يصنع بقرار مصير شخص آخر، الشعر ينحاز لما فى الحقيقة من جمال ولما فى الجمال من صدق، وانقياد الحشود للزيف لما فى الزيف من فرار من الصدق. يجب على الزيف ألا يكسر من عزيمتنا ولا أن نذعن له، فالنجاة لا تبدأ إلا نبتة فى خفايا القلوب.

■ ما الذى تمثله لك الجوائز الأدبية التى نِلتها؟ وهل تعتقد أن هذه الجوائز تُنصف حقًا الشعر الحقيقى؟

- الجوائز تنتمى إلى البُعد الاجتماعى للشعر، وهو مفهوم بعيد كل البُعد عن جوهر القصيدة. الشاعر الحقيقى رجل ألف الإخفاق، فالنجاح الوحيد فى عالمنا هو مجموع تلك الإخفاقات الشريفة. لا وجود للعدالة فى المحافل التكريمية، إنها شر لا بد منه، والأجدى بنا ألا نمنحها فوق ما تستحق من أهمية.

■ هل ترى أن الجوائز الأدبية فى عالمنا اليوم تميل إلى تفضيل نوع أدبى بعينه وإعلاء شأنه على حساب الأنواع الأخرى؟

- بلا شك. فالقائمون على هذه الجوائز لديهم مصالحهم وتفضيلاتهم نمطًا أو أسلوبًا دون غيره. علاوة على ذلك، تنحاز الجوائز غالبًا لما هو دارج ورائج، أى لتلك الإنتاجات التى تُولد من رحم الحشود. أما أنا فما يشغلنى هو القلب البشرى، تلك النبضة الفريدة لإنسان يتألم فى عزلته، وإن كان محاطًا بملايين البشر.

ما الذى ترجو أن يكتشفه القارئ العربى فى تجربتك؟ وكيف تنظر إلى المترجم؟

- لا أدرى حقًا ما الذى قد يكتشفونه، أو ما قد يثير اهتمام القارئ العربى فى عبورى العابر لهذا العالم. ليس لدىّ إلا القليل لأعلمه، وعندى الكثير لأتعلمه، رغم أن قطار العمر بدأ يضع حدودًا لا يمكن تجاوزها.

أما المترجم، فلست أراه جسرًا، بل عابر سبيل، لا يجد سكينته إلا فى أكثر الليالى ظلامًا وأنأى الأماكن عن العين. لقد نظرت إلى سماء مصر، وارتويت من ماء عطفها العذب، ونمت فيها نومًا عميقًا، فشعرت وكأن الشر كله ينقشع عنى. وكل ما أرجوه الآن، هو أن أرد ولو كان جزءًا صغيرًا من البهجة التى غمرتنى بها هذه الأرض.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق