بكين والقاهرة.. حوار الحكماء في زمن الفوضى

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الخميس 14/مايو/2026 - 11:54 م 5/14/2026 11:54:27 PM

تعصف الاضطرابات العالمية الآن بأسس النظام الدولي القائم، حيث تتهاوى الثنائيات القديمة وتتصارع القوى الكبرى على خرائط نفوذ ممزقة، ولكن وسط هذا يقف مشهد مختلف . . ليس على وقع المدافع، بل على إيقاع "جمع الحكمة". إنه المؤتمر الذي استضافته القاهرة تحت عنوان الشراكة الصينية-العربية، وذلك في محاولة إعادة تعريف قواعد اللعبة من بوابة الفكر والإعلام، بعيداً عن صخب السياسة التقليدية.
هذا المؤتمر، الذي عقد تحت عنوان طموح "جمع الحكمة، انطلاق رحلة جديدة"، ليس مجرد ورشة عمل عابرة. إنه، في قراءتي العميقة، إعلان غير مسبوق عن انتقال الصين من مرحلة "القوة الاقتصادية الصامتة" إلى مرحلة "القوة الفكرية المؤثرة". في وقت يلهث فيه الغرب لترميم جروحه الداخلية وتصدعات تحالفاته، تفتح بكين نافذة على الشرق، وتحديداً على العالم العربي، وكأنها تقول: "تعالوا نكتب سردية جديدة، سردية الجنوب العالمي".

اللافت في توقيت هذا المؤتمر هو أنه يعقد على وقع انفجارات وحروب من غزة الي إيران ، وتوترات البحر الأحمر، وصراع المحاور الذي لا يهدأ... الصين لم تخض هذه المعارك، لكنها تستثمر في "ما بعدها"، حيث  تعد نفسها لدور المحكم الإقليمي، مستفيدة من الفشل الغربي في تحقيق الاستقرار.

وفي حواري مع الدكتور هاني الجمل عن هذا المؤتمر أوجز لي الفكرة في جملة حاسمة: "الصين تكرس مكانتها كقطب يواجه النفوذ الأمريكي، ليس بالصواريخ، بل بمنطق الكل كاسب" وهو ما يظهر جلياً في الملفات الساخنة. 
فبعيداً عن العناوين العريضة، يكمن جوهر المؤتمر في التفاصيل الصغيرة،  فالحديث لم يعد عن قروض وبنية تحتية فقط، بل عن "توطين الصناعة". الصين تريد أن تنتقل من مصدر للمنتجات الرخيصة إلى شريك في التصنيع المحلي. وهنا تبرز مصر، ليس كدولة مضيفة فقط، بل كنموذج للعبقرية الجيوسياسية، وذلك بفضل اتفاقيات تجارة حرة مع أفريقيا (الكوميسا والسادك) تتيح نفاذ المنتجات بجمارك صفرية. لذا، فالصين لا تستثمر في مصر لمصلحة السوق المصري فقط، بل لتجعل من القاهرة مصنعاً تغزو به القارة الأفريقية بأكملها.
هذا هو التحول العميق: من "صنع في الصين" إلى "صنع بالشراكة مع مصر"، ومن ثم "صدر إلى العالم"، ونري ما بين السطور بأن المعركة الحقيقية تجري في العقول، الصين أدركت مبكراً أن أموالها واستثماراتها وحدها لا تكفي ما لم ترفق بـ "سردية مقنعة".
ولم يصف  رئيس وكالة "شينخوا" المؤتمر بأنه "دعاية"، بل أطلق عليه "ربط القلوب"...والأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، تلقى نسخة من كتاب "حوكمة الصين" كهدية، وهو ما يحمل رسالة ضمنية: هذا هو "كتالوج النجاح" الذي ندعوكم لدراسته، لا لتقليده، بل لفهم عقليته.
الخطر الحقيقي الذي يحدق بمخرجات هذا المؤتمر هو أن تبقى "حكمة مجتمعة" حبيسة قاعات الاجتماعات، فالنجاح الحقيقي يقاس بقدرة مراكز الفكر العربية والصينية على تحويل هذه الرؤى إلى سياسات تنفيذية: اتفاقيات تعترف بالشهادات المهنية، صناديق استثمار مشتركة في التكنولوجيا الزراعية، برامج إعلامية مشتركة تكسر الصورة النمطية للآخر.
فنحن اليوم نقف وسط عالم يعاني من "فقر الحكمة" وسط "وفرة الصراعات"، ويبقى السؤال الأهم: هل يمتلك الشركاء الجدد، صينيون وعرباً، الشجاعة لتحويل هذا الحوار النخبوي إلى إرادة سياسية تغير واقع المواطن البسيط في القاهرة وبكين والدول العربية؟
ولكن لنتذكر قول الحكمة الصينية الخالدة: "الرحلة التي تمتد لألف ميل تبدأ بخطوة واحدة." وهذه الخطوة، اليوم، تكتب في القاهرة وتصمم في بكين. فهل نملك نحن  الجرأة والحكمة لإكمال الطريق؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق