تمرّ علينا اليوم الذكرى الـ 78 لـ "نكبة فلسطين" حيث لا تزال ذكراها تنكأ جراحاً لم تندمل، ليس فقط لكونها محطة لاقتلاع شعب من أرضه، بل لأنها تحولت إلى مرآة كاشفة لواقع عربي ممتد.
الكاتب محمد حسنين هيكل روى في حلقة تلفزيونية له غرائب وعجائب حرب عام 1948 واصفا إياها بأنها "اللحظة العبثية" في تاريخ الأمة العربية، مقارنة بحروب أخرى مثلت الصحوة والماساة والمقاومة والكبرياء، موضحا أن الأمة دخلت تلك الحرب دون إدراك حقيقي لمفهوم الصراع أو الأمن القومي، معتمدة على وعود زائفة بالأمان من قوى خارجية.
تفكك الجبهة الداخلية المصرية
ولفت إلى أن مصر دخلت المعركة وهي غارقة في أزمات داخلية حادة؛ حيث شهد مطلع عام 1948 إضراباً تاريخياً للبوليس المصري نزل على إثره الجيش لحفظ الأمن بالأقسام، وتزامن ذلك مع نشاط النظام السري للإخوان المسلمين الذي اغتال قضاة وحكمدار بوليس القاهرة، مما أدى لغياب وحدة الهدف الوطني.
قائد الإنقاذ ولعبة الثلاث ورقات
وروى موقفا ساخر: "كان هناك قائد عراقي لقوات الإنقاذ (برتبة لواء وباشا)، نزل في فندق شيبرد القديم في فبراير 1948، وهو في طريقه لميدان الأوبرا، رأى أولاداً يلعبون "الثلاث ورقات" في الشارع، استهوته اللعبة وتصور أنه أذكى منهم، فراهن بـ 82 جنيهاً (كانت مبلغاً كبيراً حينها) وخسرها بالكامل"، متابعا: “المضحك أنه ذهب ليقدم بلاغاً في قسم الشرطة! قائد ذاهب لقيادة معركة مصيرية يخسر في لعبة شوارع ويشتكي للبوليس”.
شركات سياحية وقصور مضاءة
كشف هيكل عن غياب الجاهزية العسكرية، حيث اضطر اللواء المواوي قائد القوات المصرية للتعاقد مع "شركة سياحة" لنقل الجنود، والزحف بمحاذاة شريط السكة الحديد لعدم توفر خرائط، وفي عمان، رفض الملك عبد الله إطفاء أنوار قصر رغدان أثناء الغارات الإسرائيلية متمسكاً ببروتوكولات الكبرياء الهاشمي التي لا تتناسب مع ضرورات الحرب.
الملك عبد الله والفاصوليا البيضاء
وأردف: "كنت ضيفاً على مائدة الملك عبد الله في عمان، وكنا نأكل "فاصوليا بيضاء بالرز"، كان بجانبه البريجادير البريطاني "برود هيرست" الذي كان يتحدث العربية بطلاقة ويقول للملك: "سيدنا.. الناس في القدس ينتظرونك"، معقبا: “مشهد عبثي لقائد بريطاني يحمس ملكاً عربياً”.
"أطفي أنواري خوفاً من اليهود؟"
واستكمل: "بعد غارة إسرائيلية بسيطة (شو إعلامي) على عمان، طُلب من الناس إطفاء الأنوار، صعدت لقصر رغدان ووجدته مضاءً بالكامل. قلت للملك: "سيدنا القصر منور واليهود ممكن يضربوه"، فرد عليّ بجملة للتاريخ: "يا بني.. هل تريد أن يقال ذات يوم إن ملكاً هاشمياً أطفأ أنواره خوفاً من اليهود؟"، مردفا: “(جملة تصلح للكتب لكنها لا تصلح في الحرب)”.
جيوش بقيادة أجنبية وخطط ورقية
تحدث هيكل عن تناقضات القيادة، حيث كان الجيش الأردني المحور الأساسي للخطة تحت إمرة ضباط بريطانيين مثل "كلوب باشا"، واختصر شيخ أعمى في أريحا المشهد بصرخة وجهها للقوات المستعرضة: "أيها الجيش ليتك لنا"، في إشارة مريرة لتبعية القيادة العسكرية للقرار الإنجليزي.
موازين القوى
وحلل هيكل موازين القوى بالأرقام، حيث استغل بن جوريون وعاءً إنسانياً ضخماً (600 ألف يهودي خدموا في الجيش الأمريكي، 500 ألف في السوفيتي، 70 ألف في البريطاني). بدأ الحرب بـ 65 ألف مقاتل فعلي ووصل إلى 120 ألفاً في الأيام الحسم.
وتابع: "أما في الجانب العربي، فكان هناك 9 كتائب مصرية (حوالي 16-17 ألف جندي)، جيش أردني بحسابات الملك الخاصة، جيش عراقي بلا أوامر، وجيش سوري بعقلية "الكر والفر".
حرب على الورق
وأكمل حديثه عن عجائب هذه الحرب، قائلا: "كانت "حرب الورق"؛ حيث قادة في فندق "كونتيننتال" بالقاهرة يتحدثون عن السيف، والمفتي حاج أمين الحسيني يشهر سيفه قائلاً "تكلم السيف واسكت القلم"، بينما الدنيا والحروب كانت قد تغيرت تماماً، فدخلنا في "ضباب الحرب" بلا رؤية وبلا حسم".
شاهد الفيديو بالضغط ..
اقرأ المزيد..

















0 تعليق