في كل عام، ومع اقتراب موسم الامتحانات، تتحول أجواء العديد من البيوت إلى حالة من التوتر والضغط النفسي، وكأن الأسرة بأكملها تدخل اختبارًا مصيريًا لا يخص الطالب وحده. وبين المراجعات المكثفة، والخوف من النتائج، والمقارنات المستمرة، يجد كثير من الأبناء أنفسهم محاصرين بمشاعر القلق قبل دخول لجان الامتحانات، ليس فقط بسبب صعوبة المواد الدراسية، ولكن نتيجة الأجواء المشحونة التي تتكون داخل المنزل.
مستوى التحصيل الدراسي
ورغم أن الامتحانات تمثل في الأساس وسيلة طبيعية لقياس مستوى التحصيل الدراسي وتقييم العملية التعليمية، فإنها تحولت لدى بعض الأسر إلى مصدر دائم للضغط النفسي، نتيجة النظرة المجتمعية التي تربط النجاح بالقيمة الشخصية والمستقبل بالكامل. ويؤكد متخصصون في علم النفس التربوي أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الامتحان ذاته، بل في الطريقة التي يتم التعامل بها معه، سواء من قبل الأسرة أو المجتمع.
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة مايسة فاضل، أستاذ علم النفس التربوي، أن حالة التوتر المصاحبة لفترة الامتحانات أصبحت نمطًا متوارثًا عبر الأجيال، موضحة أن كثيرًا من الطلاب يكونون أكثر هدوءًا من أولياء الأمور أنفسهم، إلا أن القلق ينتقل إليهم بصورة مباشرة داخل المنزل، ما يضاعف من حدة الضغط النفسي خلال هذه المرحلة.
وأوضحت أن الامتحانات تعتمد في نجاحها على ثلاثة عناصر أساسية هي الهدوء والتنظيم والثقة، مؤكدة أن هذه العوامل تمثل المفتاح الحقيقي لعبور موسم الامتحانات بشكل صحي بعيدًا عن الأزمات والانفعالات الزائدة.
وأضافت أن الامتحان ليس سوى مرحلة طبيعية من مراحل التعلم، هدفها قياس ما اكتسبه الطالب من معلومات ومهارات على مدار العام الدراسي، وليس وسيلة للتخويف أو إصدار أحكام نهائية على مستقبل الإنسان، مشيرة إلى أن تضخيم المجتمع لفكرة الامتحانات هو ما يجعلها تبدو وكأنها أزمة مصيرية.
وشددت على أن اختزال قيمة الطالب في مجموع الدرجات أو نوع الكلية التي سيلتحق بها يُعد من أكبر الأخطاء التربوية، مؤكدة أن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في قدرته على الفهم والتحليل واكتساب المهارات والتطبيق العملي، وليس في الأرقام فقط.
وأشارت إلى أن تنظيم المذاكرة بشكل جيد طوال العام الدراسي يقلل بدرجة كبيرة من القلق المصاحب لفترة الامتحانات، لأن الطالب يكون أكثر استعدادًا وثقة، ولا يتعامل مع الامتحان باعتباره مفاجأة أو تهديدًا نفسيًا.
كما لفتت إلى أن الامتحانات تمثل فرصة لاكتشاف ميول الطالب وقدراته، إلى جانب تقييم المناهج وطرق التدريس، ما يجعلها أداة مهمة للتطوير وتحسين العملية التعليمية، وليس مجرد وسيلة للعقاب أو الضغط.
وأكدت أن بعض الطلاب يؤجلون المذاكرة حتى الأيام الأخيرة قبل الامتحانات، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التوتر بصورة كبيرة، موضحة أن الحل يبدأ بالهدوء ووضع خطة مراجعة سريعة تعتمد على تنظيم الوقت والتركيز على أهم النقاط والعناوين الأساسية.
وأضافت أن الخوف الزائد يؤثر بشكل مباشر على التركيز والانتباه واستيعاب المعلومات، بينما يساعد الهدوء النفسي على تحسين الأداء الدراسي وزيادة القدرة على التذكر خلال فترة الامتحانات.
واختتمت تصريحاتها بالتأكيد على أن الدور الحقيقي لأولياء الأمور خلال هذه الفترة يجب أن يقوم على الدعم النفسي والتشجيع وخلق بيئة هادئة داخل المنزل، بدلًا من اللوم أو التهديد أو المقارنات المستمرة، لأن الاستقرار النفسي للطالب يمثل عاملًا أساسيًا في تحقيق أداء أفضل وتجاوز الامتحانات بصورة صحية ومتوازنة.


















0 تعليق