صقور مصر بالإمارات

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف


 

في عالم السياسة نادراً ما تجد دولتين تجمعهما كيمياء وتفاهم مثل مصر والإمارات، فالموضوع هنا ليس مجرد بروتوكولات رسمية، بل حكاية أخوة بدأت منذ لحظة تأسيس الاتحاد سنة 1971، حين كانت مصر أول من بارك وساند هذه الخطوة، ومنذ ذلك الحين غرس الشيخ زايد "طيب الله ثراه" في وجدان شعبه أن مصر هي السند وهي الوصية التي ظلت حية وتكبر مع الأيام، واليوم وبعد أكثر من 57 عاماً، نرى هذه الشراكة وهي تتحول إلى درع حقيقي للمنطقة وتنسيق لا محدود في مواجهة كافة التحديات، وكأنهم قلب واحد ينبض في بلدين، والجميل أن التعاون لم يقتصر على السياسة فقط، بل امتد للاقتصاد بقوة فالاستثمارات الإماراتية في مصر باتت تُقدر بحوالي 40 مليار دولار حتى عام 2026 في مجالات حيوية مثل الطاقة والعقارات والزراعة، وبدأنا نرى مشاريع ضخمة تبهر العالم مثل رأس الحكمة ومحطة بني سويف، وكل هذا يصب في مصلحة التنمية في البلدين ويرفع التبادل التجاري لمستويات غير مسبوقة تجاوزت 10 مليارات دولار سنوياً.

والذي يجعل هذه العلاقة استثنائية حقًا هو التناغم الكبير على مستوى القيادة، فمنذ عام 2014 والزيارات واللقاءات بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والشيخ محمد بن زايد لم تتوقف، ووصلت لأكثر من 40 قمة التي عكست توافقاً تاماً في الرؤى تجاه ملفات مصيرية مثل ليبيا والسودان والقضية الفلسطينية، هذا التنسيق وصل لأعلى مستوياته في الجانب العسكري والأمني الذي يعتبر العمود الفقري للشراكة، فالموضوع ليس مجرد صفقات بل تبادل خبرات وتدريبات ميدانية مستمرة في البر والبحر والجو، بأسماء أصبحت معروفة في المنطقة مثل تدريبات زايد و خليفة وصقور الليل وسهام الحق، كما أن التنسيق بيتم بمتابعة مباشرة من القيادات، كما ظهر في لقاءات قادة القوات الجوية على هامش معرض إيديكس 2025 لبحث أحدث تكنولوجيا الطيران، ولا يمكن أن ننسى لغة الأرقام التي تؤكد قوة هذه الشراكة، حيث شهد معرض إيديكس توقيع 6 مذكرات تفاهم استراتيجية، منها اتفاقيات مع شركة أمرك الإماراتية والهيئة العربية للتصنيع لصيانة الطائرات، مما يعكس الرغبة في توطين الصناعات الدفاعية معاً، استكمالاً لتاريخ طويل من الدعم الإماراتي لمصر بدأ منذ حرب 1973.

أما المحطة الأبرز التي عكست التحول الاستراتيجي الكبير، فكانت في 6 مايو 2026، وذلك حين تفقد الرئيس السيسي والشيخ محمد بن زايد مفرزة المقاتلات المصرية المتمركزة في الإمارات، فهذه الزيارة لم تكن مجرد جولة تفقدية، بل كانت إعلاناً رسمياً ولأول مرة عن وجود قتال مصري مرابط على الأراضي الإماراتية، ومن الناحية الاستراتيجية يجب توضيح أن هذه المفرزة لم تشارك في أي عمليات قتالية فعلية حتى الآن، بل إن وجودها يأتي ضمن مفهوم الدفاع الاستراتيجي والردع النشط، فالهدف الأساسي هو تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة وإظهار الجاهزية التامة لمواجهة أي تهديدات إقليمية، خاصة مع تصاعد التوترات والاعتداءات الإيرانية الأخيرة مثل الهجمات الصاروخية على منشآت نفطية إماراتية في أبريل 2026.

ويُمثل التمركز المصري في دولة الإمارات العربية المتحدة نقطة تحول نوعية وجوهرية في معادلة الأمن الخليجي، حيث ينقل هذا التحالف من إطار الدعم غير المباشر إلى وجود ميداني مرئي يُعيد رسم خريطة القوى في المنطقة من خلال تشكيل مثلث دفاعي صلب يجمع مصر والإمارات والسعودية، وتتجلى أهمية هذا التحول في قدرته على تحقيق ردع استراتيجي حازم تجاه طهران، حيث يبعث توقيت الإعلان عن هذا التواجد رسالة واضحة بأن أي تصعيد سيُقابل بتحالف عسكري عربي موحد تُضيف فيه القوة الجوية المصرية عمقاً استراتيجياً حيوياً للدفاع الإماراتي، ​وبالتوازي مع ذلك يُعزز هذا التمركز مصداقية الردع العربي أمام القوى الإقليمية الأخرى كتركيا وقطر، مُثبتاً بالدليل الميداني أن محور (القاهرة-أبوظبي-الرياض) يمتلك قدرة تنفيذية حقيقية تتجاوز حدود الخطاب السياسي، ولا تقتصر أبعاد هذا التواجد على الجانب العسكري الصرف، بل تمتد لحماية الأمن الاقتصادي وتأمين خطوط الطاقة الحيوية في مضيقي هرمز وباب المندب، حيث يُكمل الوجود المصري في الإمارات النسق الدفاعي لمضيق باب المندب الذي تُسيطر عليه مصر عملياً، مما يُرسي عقيدة الدفاع المشترك الجديدة التي تجعل من مصر درعاً استراتيجياً يتيح للإمارات التركيز على التنمية والازدهار.

فك​ان الكشف عن هذا التمركز في هذا التوقيت يُعد مناورة سياسية وعسكرية ذكية، تعكس توجهاً لا يسعى للانخراط في قتال مباشر أو تصعيد هجومي، وإنما يرسخ مبدأ أن التواجد المصري هو الضمانة الأساسية للأمن القومي الخليجي، هذا التحول الجذري من الدعم اللوجستي إلى التواجد الميداني الدفاعي يبعث برسالة طمأنة للحلفاء وتحذير للخصوم بأن التحالف المصري الإماراتي هو جدار صلب لا يقبل الاختراق، مما يمهد الطريق لمستقبل عربي أكثر صلابة تكون فيه القوة العسكرية هي الضمانة لحماية السيادة والمصالح المشتركة، مع تطلعات لتوسيع هذا التمركز أو إجراء تدريبات خليجية مشتركة كبرى في عام 2027.

المحلل السياسي والإستراتيجي

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق