هل حداثتنا معطوبة؟

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

تكاد ظاهرة الإقبال الواسع على بعض مشاهير «الطب البديل» فى عالمنا العربى تكشف خللاً أعمق من مجرد سوء تقدير صحى؛ إنها تكشف عطباً فى علاقتنا نفسها بالحداثة والعلم والعقل النقدى؛ فحين يصدق آلاف الناس شخصاً يعدهم بالشفاء من الأمراض المزمنة عبر الامتناع عن السكر والدقيق وحدهما، أو يوحى بأن الجسد قادر على علاج نفسه بعيداً عن الطب الحديث، فإن القضية تتجاوز فرداً بعينه لتصبح علامة ثقافية تثير القلق.

لقد نجح د. ضياء العوضى، عبر ما سمى «نظام الطيبات»، فى جذب جمهور واسع، لا لأنه قدم اكتشافاً علمياً موثقاً، بل لأنه خاطب حاجة نفسية عميقة لدى الناس: الرغبة فى الخلاص السريع، والخوف من الأدوية التقليدية، والحنين إلى فكرة العلاج «الطبيعى» البسيط الذى يعيد للجسد نقاءه المفقود. وقد ساعده على ذلك خطاب حاسم يوحى باليقين، ووعود بالشفاء السريع، واستخدام ذكى لوسائل التواصل الاجتماعى التى تحول أى رأى مثير إلى «حقيقة» قابلة للانتشار خلال ساعات.

وهنا تكمن خطورة هذه الظاهرة؛ فبعض الناس لم يكتفوا باتباع نظام غذائى معين، بل توقفوا عن تناول أدوية ضرورية، وبدأوا ينظرون إلى الطب الحديث نفسه بوصفه مؤامرة أو تجارة لا أكثر. وعندما يتحول الشك الصحى المشروع إلى رفض كامل للعلم، يصبح المجتمع مهيأ لتصديق أى خطاب بمصطلحات تبدو علمية، حتى لو افتقرت إلى أبسط قواعد البرهان.

لكن الأخطر من الشخص نفسه هو المناخ الثقافى الذى يسمح بازدهار هذا النوع من الخطاب. فنحن نعيش، كما وصف المفكر المغربى محمد بنيس، حالة من «الحداثة المعطوبة»: نستهلك منتجات العصر، لكننا لم نستوعب العقل الذى صنعها. ونحمل أحدث الهواتف الذكية، ونتابع المحتوى عبر تطبيقات فائقة التطور، ثم نستخدم هذه الوسائل نفسها لنشر أفكار تفتقر إلى أبسط قواعد التفكير العلمى.

ولعل نزار قبانى لخص هذه المفارقة مبكراً حين كتب:

«لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية» كانت عبارته تشخيصاً عميقاً لمجتمع أخذ مظاهر الحداثة الخارجية، لكنه لم يكتسب السؤال والنقد والبحث. وهذا ما يحدث اليوم حين تتحول وسائل التواصل الاجتماعى إلى ساحات لترويج «العلاج المعجزة» و«الطاقة الشافية» و«الأسرار الكونية»، بينما يتراجع الصوت العلمى الرصين أمام سطوة المؤثر والكاريزما والوعود المطلقة.

إن المشكلة تبدأ من التعليم نفسه؛ من مدرسة تعلم الطالب كيف يحفظ لا كيف يفكر، وكيف يكرر لا كيف يشك ويسأل. ولهذا يخرج كثيرون بشهادات جامعية، لكن بعقلية تستسلم بسهولة لأى خطاب يعد بالخلاص السريع.

إن الحداثة الحقيقية ليست أجهزة متطورة أو مدناً زجاجية، بل عقل نقدى يعرف أن العلم لا يقوم على الانبهار ولا على عدد المتابعين، بل على التجربة والبرهان وقابلية الفكرة للاختبار؛ فالأمم لا تصبح حديثة لأنها تستهلك التكنولوجيا، بل لأنها تنتج إنساناً قادراً على التمييز بين العلم والوهم، وبين المعرفة والدجل.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق