لم يكن هذا الرجل استثناءً… بل كان القاعدة.
نشأ وهو يعتقد أن الحياة، رغم صعوبتها، تسير وفق منطق يمكن الوثوق به؛ أن لكل مجتهد نصيبًا، ولكل تعب ثمرة، وأن الطريق — مهما طال — يقود في النهاية إلى شيء يشبه ما حلم به.
لم يكن حالمًا أكثر من اللازم، ولا ساذجًا إلى هذا الحد… لكنه كان يحتاج أن يصدق. ومثل كثيرين، صدّق.
ثم بدأت الحقيقة تتكشف… لا كصدمة واحدة، بل كسلسلة من التراجعات الصغيرة.
كل مرة كان يؤجل فيها حلمًا، كل مرة يقنع نفسه أن “الوقت ليس مناسبًا”، كل مرة يرى فيها الطريق يضيق دون سبب مفهوم… كان يفقد جزءًا خفيًا من شغفه.
لم يخسر دفعة واحدة، بل خسر بالتقسيط.
المشكلة لم تكن في قسوة الحياة فقط، بل في غموضها.
في تلك المسافة المربكة بين ما يُقال وما يُعاش، بين الوعود العامة والتجارب الخاصة، بين ما يُفترض أن يحدث… وما يحدث فعليًا، هناك بدأ الشرخ.
لم يعد هذا الرجل قادرًا على تفسير القواعد، ولا على فهم المعادلة.
لم يعد يعرف إن كان يسير ببطء… أم أن الطريق نفسه يتحرك عكسه.
لم يعد متأكدًا إن كانت المشكلة في جهده، أم في واقع لم يعد يقيس الناس بما كانوا يظنونه معيارًا عادلاً.
ومع الوقت، تغيّر تعريف الأشياء داخله.
لم يعد النجاح كما كان، ولا الاستقرار، ولا حتى الأمان.
صار كل شيء قابلاً لإعادة التفسير… إلا التعب. التعب كان حقيقيًا دائمًا.
لم يكن يبحث عن امتياز، بل عن وضوح.
أن يفهم لماذا يتقدم البعض ويتأخر آخرون، لماذا تُفتح أبواب بلا مقدمات، وتغلق أخرى رغم كل المحاولات، لماذا تبدو بعض الطرق ممهدة، بينما أخرى — أكثر استحقاقًا — تظل وعرة.
لكنه لم يجد إجابة… فاكتفى بالتكيّف.
وهنا حدث التحول الأخطر:
حين يتوقف الإنسان عن المطالبة بالفهم، ويبدأ في التعايش مع الغموض كأنه قدر.
لم يعد هذا الرجل يحلم كثيرًا، ليس لأنه لا يريد… بل لأنه لم يعد يضمن جدوى الحلم.
صار أكثر حرصًا، أقل اندفاعًا، يميل إلى السلامة، حتى لو على حساب الرغبة.
ومرة أخرى… لم يكن وحده.
تكررت الحكاية بنفس التفاصيل تقريبًا، بوجوه مختلفة وظروف متشابهة.
حتى أصبح فقدان الشغف حالة عامة، لا تُعلن عن نفسها، لكنها تُرى في كل شيء:
في تراجع الحماس، في تأجيل الخطوات، في الخوف من التجربة، في الاكتفاء بالحد الأدنى من الحياة.
وهنا لا تكون الأزمة في الظروف وحدها… بل في تلك المنطقة الأخطر:
حين يشعر الإنسان أن ما يقدمه لا يغير ما يعيشه.
هذه اللحظة تحديدًا هي التي تعيد تشكيل العلاقة بين الفرد وواقعه.
إما أن يستعيد ثقته… أو يكتفي بالبقاء.
هذا الرجل اختار أن يبقى.
لا يزال يعمل، يتحمل، يؤدي ما عليه بدقة…

















0 تعليق