اندلعت اشتباكات بين شرطة الاحتلال الإسرائيلي ومحتجين من طائفة اليهود الحريديم في تل أبيب، على خلفية رفضهم لقانون تجنيد الحريديم في الجيش الإسرائيلي وتأتي هذه التطورات عقب إصدار رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، إيال زامير، قرارًا رسميًا ببدء تطبيق خطة تجنيد الحريديم، حيث أصدر الجيش أوامر تنظيمية جديدة تُلزم أبناء الطائفة بالخدمة العسكرية، في خطوة تُعد الأولى من نوعها بهذا الشكل الإجباري .
وقد طفت على السطح مجددًا أزمة إجبار اليهود المتدينين «الحريديم» فى جيش الاحتلال وذلك بعد قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بفرض تجنيد اليهود الحريديم فى الجيش، وهو قرار أحدث أزمة داخل المجتمع الاسرائيلى خاصة بعد أحداث 7 أكتوبر والحرب التى يخوضها جيش الاحتلال الإسرائيلى قى قطاع غزة، والتى تتسع رقعتها التى امتدت إلى الدخول فى حرب مع حزب الله فى جنوب لبنان واحتلال جبل الشيخ وجنوب سوريا وضرب الحوثيين فى اليمن
ومع الخسائر البشرية الكبيرة للجيش الإسرائيلى فى قطاع غزة وجنوب لبنان والتى أشار إليها قادة جيش الاحتلال، دعا وزير الدفاع السابق يوآف جالانت إلى سن قانون جديد يلغى إعفاءات التجنيد والخدمة العسكرية التى يحظى بها اليهود المتشددون "الحريديم"
وكانت الأحزاب الدينية فى إسرائيل «الحريديم» قد صعدت سابقا تهديداتها بحل الكنيست وإسقاط الحكومة، وقد أجرى نتنياهو وقتها مباحثات مع ممثلين عن تلك الأحزاب على خلفية قرار مجلس حكماء التوراة فى حزب «أغودات يسرائيل» الانضمام إلى مشروع قانون ستقدمه أحزاب المعارضة لحل الكنيست.
وبالتالى إسقاط حكومة نتنياهو، ورغم زعم نتنياهو إحراز تقدم كبير وقتها لحسم القضايا العالقة فإن تحالف «يهدوت هتوراة» قلل من أهمية هذا التفاؤل الذى تحدث عنه نتنياهو وقتها ، وجدد تمسكه بموقفه بشأن مشروع قانون حل الكنيست، وإذا ما أُقرّ مشروع قانون حل الكنيست بالقراءات الثلاث فسيحدد موعد لإسقاط الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.
ويُلزم القانون المعمول به حاليًا معظم الإسرائيليين بالخدمة فى جيش الاحتلال الإسرائيلى ماعدا طلاب المدارس الدينية اليهودية «الحريديم» الذين يتم إعفاؤهم منها منذ عقود، وأصبح الإعفاء المعمول به منذ عقود محل خلاف واسع حاليًا فى إسرائيل، خاصة مع بداية الحرب على غزة وتزايد حدة الصراع مع حزب الله على الحدود مع لبنان، وبات إعفاء «الحريديم» من الخدمة العسكرية أكثر إثارة للجدل، لأن الجيش الإسرائيلى يتألف فى الأغلب من جنود فى سن المراهقة وعدد من المدنيين الأكبر سنًا يتم استدعاؤهم للاضطلاع بالخدمة العسكرية الاحتياطية، فضلًا عن أنها خدمة منهكة بسبب الحرب متعددة الجبهات فى غزة وجنوب لبنان وسوريا واليمن.
وقد عارض قادة من المتدينين اليهود التجنيد فى جيش الاحتلال الإسرائيلى، معتبرين أن دورهم يتمثل فى دراسة التوراة، ويرى اليهود المتدينون الذين يشكلون 13 بالمائة من سكان إسرائيل البالغ عددهم 10 ملايين نسمة، أن الإعفاء من التجنيد هو أمر حيوى لمنع انصهار أفراد مجتمعاتهم المتدينة فى الجيش، وهو أمر قد يصطدم مع عاداتهم المحافظة ومعتقداتهم.
بينما يعارض العلمانيون عدم تجنيد «الحريديم» فى الجيش الإسرائيلى، معتبرين أن ذلك يكسبهم ميزات عن باقى المجتمع الإسرائيلى تفوق ما يقدمون من خدمات لإسرائيل، فقد اعتبر زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد أن عدم تطبيق قرار المحكمة العليا بتجنيد المتدينين اليهود «الحريديم» «خيانة للجيش»، باعتباره أصبح قانونًا، موضحًا أن تل أبيب فى حرب على 7 جبهات، وأن الجيش الإسرائيلى ليس لديه ما يكفى من الجنود، وإذا لم نقاتل معًا فسوف نموت معًا، كما اعتبر أفيجدور ليبرمان زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» أن قرار المحكمة العليا يمثل خطوة مهمة على طريق التغيير التاريخى.
ويعتبر قرار إجبار المتدينين اليهود على الدخول إلى التجنيد الإجبارى ما يعنى أن إسرائيل ليست دولة يهودية فقط حيث سيتم أيضًا إجبار العرب داخل إسرائيل على الدخول إلى التجنيد الإجبارى، فالحكومة الإسرائيلية ترى أن إسرائيل اليوم ليست ما قبل 7 أكتوبر، وبالتالى كل من يحمل هويتها مجبر أن يشارك فى جيشها ومعاركها ما دام يحمل الهوية الإسرائيلية فهى ترى أنها تحارب على ٧ جبهات، وبالتالى تحتاج إلى كل فرد فى المجتمع الإسرائيلى سواء يهود متدينين أو علمانيين أو حتى غير يهود ما داموا يحملون الهوية الإسرائيلية أن يحاربوا فى صفوفها.
لكن قد تكون أزمة تجنيد «الحريديم» المسمار الأخير الذى يدق فى نعش حكومة نتنياهو، فحسب قراءتى يبدو أنه قد آن الأوان للتخلص من نتنياهو، فإسرائيل ترى أنها فى مرحلة تحول كبير فى مسألة وجودها وأمنها، وبالتالى يجب التحول من الوضع الراهن وهو وضع الحرب، والذى سوف ينتهى بانتهاء نتنياهو الى مرحلة ما بعد الحرب.
كما أن نتنياهو انتهى من كثير من المهام الموكلة إليه وهى إنهاء موضوع غزة والضفة الغربية ولبنان، فغزة المخطط لها أن تكون لأمريكا ومتعددة الجنسيات، وبالتالى ستستمر حرب الاستنزاف بها وإدارتها خدماتيًا، وستتم مساعدة السكان على الهجرة وحشرهم فى مواقع معينة من الصعب استمرار الحياة بها للاستعداد لتهجيرهم.
فضلًا عن أن أى قيادة جديدة فى إسرائيل تريد أن تستلم الحكم بشكل نظيف بدون حروب وبدون زعزعة أمن، وهنا قد تكون انتهت مهمة نتنياهو، لذا يجب إسقاطه بأى شكل من الأشكال سواء بالانتخابات أو عبر الجهات القضائية أو من خلال حل البرلمان «الكنيست الإسرائيلى» كخطوة أولى لإسقاط حكومة نتنياهو.
ويبدو أن جميع التحليلات التى كانت تتصدر الإعلام العربى والعالمى والمعارضة الاسرائيلية الفترة الماضية، والتى كانت تشير إلى أن نتنياهو متمسك بالسلطة وأنه يفكر بنفسه فقط ولا يهتم لما تؤول له الحرب على إسرائيل، لأنه يعلم أن وجوده مرهون بوجود الحرب، كما أنه متهم بقضايا فساد قد يحاكم بسببها بعد تنحيه عن السلطة- هذه الأسباب التى جعلته يتمسك بالسلطة قد تعجل بنهاية نتنياهو، فضلًا عن أن كثيرًا من صانعى القرار فى إسرائيل يرون أن دوره قد انتهى ويجب عليه تسليم الراية لمن يأتى بعده.

















0 تعليق