الوقوف أمام مرايا مُعتِمة..!!

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الأحد 10/مايو/2026 - 04:34 م 5/10/2026 4:34:41 PM

ما حفظتْ سجلات التاريخ و متونه تاريخَ أمةٍ تضاهي العرب إقداما وبأسا ، وليس هذا بجديد أو طارئ على أخلاقهم وصفاتهم..!!بل إنه قديمٌ قِدَم نشأتهم ؛ فلقد كانوا أحفظ أهل الأرض لصفات الرجولة-رغم وثنيتهم- لما اقتضته حياتهم من الوضوح والصراحة والبعد عن الالتواء ، وكأنهم يماثلون طبيعة أرضهم وصراحتها البعيدة عن الغموض ، ولذلك بعد عنهم النفاق وأعلنوا عداءهم للإسلام صراحةً دون مواربةٍ فلما أن هداهم الله صاروا جندا للإسلام مخلصين بخلاف غيرهم من الأمم الأخرى...وما يوم "ذي قار"ببعيد أو مجهول ؛ إذ يحفظه التاريخ كأعظم الأيام التي أبرزتْ جسارة العرب في مواجهة الفرس..فعندما حاول"كسرى"فارس إذلال العرب، تصدت قبائل"بكر بن وائل"ومن حالفها لجيوش فارس بتنظيم عربي بارع، وتكتيك شديدة المهارة وهزموا جيوش الفرس العتيدة ، ليؤكد بجلاء قدرة العربي على هزيمة أقوى دول العالم، كل ذلك سجَّلتْه ريشة"الأعشى"الشاعر العربي:
(وَخَيلُ بَكرٍ فَما تَنفَكُّ تَطحَنُهُم/حَتّى تَوَلّوا وَكادَ اليَومُ يَنتَصِفُ)(لَو أَنَّ كُلَّ مَعَدٍّ كانَ شارَكَنا/في يَومِ ذي قارَ ما أَخطاهُمُ الشَرَفُ)
ويؤكد "الأعشى" أن مواجهة الباغي لافرار من الالتزام بها ،ولو كانت ضريبتها بذْل الأرواح...ذلك من وصايا آباء العرب الكرام فيقول:
(إِنَّ الأَعَزَّ أَبانا كانَ قالَ لَنا/أوصيكُمُ بِثَلاثٍ إِنَّني تَلِفُ)(الضَيفُ أوصيكُمُ بِالضَيفِ إِنَّ لَهُ/حَقّاً عَلَيَّ فَأُعطيهِ وَأَعتَرِفُ)(وَالجارُ أوصيكُمُ بِالجارِ إِنَّ لَهُ/يَوماً مِنَ الدَهرِ يَثنيهِ فَيَنصَرِفُ)(وَقاتِلوا القَومَ إِنَّ القَتلَ مَكرُمَةٌ/إِذا تَلَوّى بِكَفِّ المُعصِمِ العُرُفُ)
لقد أوصتهم الآباء بحق الضيف إكراماً واعترافاً به ، وحق الجار حمايةً ودفاعاً عنه ، وقتال الأعداء فإن القتال مكرمة وعزة للنفس (....إِنَّ القَتلَ مَكرُمَةٌ/إِذا تَلَوّى بِكَفِّ المُعصِمِ العُرُفُ) أي أن القتل في سبيل الدفاع عن الشرف والكرامة لا فخر يدانيه عندما تلتف الدماء وتتلطخ بها أيدي المقاتلين عند مقابض السيوف والمعاصم من كثرة الضرب والطعان.
أجل... لقد كان مما يتباهى به العربي منذ القديم ما قاله الشاعر الجاهلي والفارس الحصيْن بن الحمام المري:
(فَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا ... وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدِّمَا) 
أي يستحيل فرارهم من المعركة لذلك لا تصيبهم السيوف في ظهورهم (أعقابهم)، بل يواجهون العدو غير هيابين ولا متحصنين.. لتُرى جراحهم في مقدمة أجسادهم  وواجهة صدورهم..تقطر دماؤهم على أقدامهم لا على أعقابهم!!

(حتَّام يا وطني جراحُكَ تنزفُ/ ومتى المواجعُ يا أبي تتوقَّفُ!!)(هذا الدمُ المسفوحُ فيك دمي أنا/مذ أن خُلقتُ ودمعُ قلبي يُذرفُ)(حتّام يا وطني نرتّقُ  جرحنَا/بالصبرِ ينبتُ ألفُ جرحٍ ينزفُ)(ونقدِّمُ القربانَ أنبلَ من مشوا/في أرضِكَ السمراء لم يتخلفوا)(ما قلتَ يا....حتى أجابوا كلُهم/من قبل أن يرتدَّ طرفُك أزلفوا)(والله لو عرفوا بأنَّ مماتهم/مهرُ انتصارِك  لم ولن يتوقفوا !!)
وتظل السمراء "روضة الحاج"الشاعرة العربية السودانية صوتا شعريا عربيا نازفا..!!
شامخا شموخ الألم والكرامة، ولسانا معبرا عما يعانيه قطرنا العربي " السودان" من تعرُّضٍ للمؤتمرات والطعنات ؛ فتنبت الجراح النازفة كرامة وعزة، ترفض الانكسار وتؤكد على الصمود رغم الألم ، وعدم التهرب من دفع أثمان الحرية والكرامة... (ما قلتَ يا....حتى أجابوا كلُهم/من قبل أن يرتدَّ طرفُك أزلفوا)... و كل الروعة في حذف المنادى فمجرد أن يبدأ الوطن في استنصار الهمم في مجال التقاعس أو الاتكال على نهوض البعض في سرعة تبالغ فيها السمراء روضة الحاج في موقف يحسن فيه المبالغة.. سرعةٌ لا تعادلها سوى سرعة الآتي لنبي الله "سليمان" بعرش "بلقيس" ملكة سبأ..سرعة تستدعي التعجب مثلما قال نبي الله"سليمان" في سورة النمل : "...فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾
إنه الدم الذي يروي الكرامة فلا يذهب هباءً بل يظل وشْماً لا يزول ، وشاهد عَيانٍ لا يمكن تكذيبه ووثيقةً حية تشهد على الشجاعة مما يبقي ذاكرة الوجع حية،فنحن لا نقبل بالانحناء رغم شدة الوجع وكلْفة الثمن وهذا شأن العربي في كل زمان ومكان
ومن المؤسف حقا أن أجيالنا تلقفتْ دون وعي صورةً كالحة عن جاهلية العرب،ورسختْ في مخيلتهم وأدبياتهم الثقافية والاجتماعية، ولعل ذلك من تأثير  الواقع  الذي نحياه والبون الشاسع بيننا وبين الغرب..فالبعض منا فهم أن الحط من قيم وأخلاق ذلك العصر تقرب الى الله وخدمة للإسلام..لكننا أيضاً لا نريد أن نصوِّر تاريخنا القديم في صورة مثالية...

"زعق الوابور ع السفر .. أنا قلت كان بدري /نعق الغراب ع الشجر ..خطف الفراق بدري /جدع ما شفناش جدع .. فات فى البلد زيه .. عيَّط عليه القمر .. والنجمه في البدري /يا نني عين البلد..يا ابن البلد يا عزيز /بِكْيت عيون الولد..والبنت والعواجيز /يا قلب مصر النقي ...وقلب مصر بياض/ عزيز علينا اللقا ..بعد الفراق يا رياض/يا عترة الحراس..يا بو الإدين تنباس..ياريتني كنت معاك..وشربت نفس الكاس..!!"
ويأبى الشاعر أحمد فؤاد نجم إلا أن يكون صوت الوطن ودموعه كغيره من الشعراء الحقيقيين في استشهاد الجنرال الذهبي"عبد المنعم رياض"الذي كان امتداداً لجيل القواد العظام الذين واجهوا الموت بصدورهم و استشهدوا وسط جنودهم في أقرب نقطة العدو أثناء حرب الاستنزاف ليؤكد بيقين أن شعلة التحرير لا تخبو رغم كل التحديات وأن عجلة التحرير لن تتوقف لتتحول جنازته من عسكرية إلى بيان شعبي يرفض الاستسلام، ويؤكد على أن القتال طريقنا الوحيد لاسترداد الأرض.
وهل يمكننا الختام ونحن في حضرة الجنرال الذهبي"عبد المنعم رياض" دونما أن نتذاكر قصيدة الشاعر الكبير "نزار قباني" في وداع الجنرال الشهيد إذ جعل من تلك اللحظة منبراً وسياطاً لجلْد جلود العرب الذين فقدوا صلتهم بصفات أجدادهم الموروثة من الموت في سبيل الكرامة .. لقد جعل من تلك اللحظة ميدانا للمقارنة بين الشهيد الفرد وأصفار الجميع الذين لا يزيدون عن كونهم غثاء السيل ..!! في استحضارٍ مهيبٍ لروح الشهيد، وخطاب مهيب بضمير الخطاب أنت ونداء بـ " يا سيدي القائد...""يا أشرف القتلى"وإذا كان نداء سيدي القائد يؤكد عظمة القدْر واستحضار المهارة ؛فإني أستشعر من استخدام ذلك التركيب أشرف القتلى تنبيهاً بوجوب الأخْذ بالثأر  لا يتوافر لو استخدم تركيبا كـ "يا أشرف الشهداء"فالى ختام لاذع لا يجيده سوى" نزار قباني":

"لو يُقَتلون مثلما قُتلْتَ/لو يعرفون أن يموتوا.. مثلما فعلْتَ/ لو مدمنو الكلام فى بلادنا..قد بذلوا نصف الذي بذلتَ..!!/ لو أنهم من خلف طاولاتهم قد خرجوا.. كما خرجتَ أنت../واحترقوا في لهب المجد، كما احترقت/لم يسقط المسيح مذبوحًا على تراب الناصرة/ ولا استُبيحت تغلبٌ..وانكسرَ المناذرةُ..!!"
" لو قرأوا - يا سيدي القائد - ما كتبت / لكنَّ من عرفتهم..ظلوا على الحال الذي عرفتَ../ يدخنون.. يسكرون..يقتلون الوقت /ويطعمون الشعب أوراق البلاغات كما علمتَ/وبعضهم.. يغوص في وحوله..وبعضهم..يغصُّ في بتروله.. وبعضهم..قد أغلق الباب على حريمه..ومنتهى نضاله..جاريةٌ فى التخت.."
"ياأشرفَ القتلى، على أجفاننا أزهرْتَ../ الخطوة الأولى إلى تحريرنا..أنتَ بها بدأت/
يا أيها الغارق في دمائه / جميعهم قد كذبوا.. وأنت قد صدقتَ!!/جميعهم قد هُزموا
..ووحدكَ انتَصَرت!!"

أخبار ذات صلة

0 تعليق