في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها قطاع التشييد والبناء في مصر، تتجه الدولة إلى إعادة هيكلة منظومة تراخيص البناء بشكل شامل، بهدف تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين تيسير الإجراءات على المواطنين من جهة، وضبط النمو العمراني والحد من العشوائية من جهة أخرى.
وتأتي هذه التحركات في إطار رؤية تنموية أوسع تسعى إلى دعم قطاع العقارات باعتباره أحد أهم محركات الاقتصاد الوطني، إلى جانب رفع كفاءة الخدمات الحكومية وتقليل التعقيدات الإدارية التي أثقلت كاهل المواطنين لفترات طويلة.
وتعكس التعديلات الأخيرة على نظام تراخيص البناء توجهًا واضحًا نحو تبسيط الإجراءات وتسريعها، حيث تم تقليص عدد الخطوات المطلوبة، وتخفيف بعض الاشتراطات، بالإضافة إلى تقليل المدد الزمنية اللازمة للحصول على الترخيص، ويُنظر إلى هذه التغييرات باعتبارها خطوة مهمة نحو تحسين بيئة الاستثمار في قطاع البناء، وتسهيل حصول المواطنين على تراخيص قانونية في إطار منظم وواضح.
تسهيل الإجراءات وإعادة الانضباط
وفي هذا السياق، أكد وحيد سرور، المحامي بالنقض، أن هذه التعديلات تمثل خطوة إيجابية في مسار إصلاح منظومة تراخيص البناء، خاصة في ظل ما كان يعانيه المواطنون سابقًا من تعقيدات إجرائية وتأخر في استخراج التراخيص.
وأوضح أن العودة إلى تطبيق قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 يسهم في إعادة الانضباط إلى المنظومة العمرانية، مع إتاحة قدر أكبر من المرونة في التعامل مع الطلبات، بما يحقق التوازن بين التنظيم والتيسير.
وأشار إلى أن تقليص خطوات استخراج رخصة البناء من 15 خطوة إلى 8 خطوات فقط يعد تطورًا ملحوظًا من شأنه تسريع الدورة المستندية وتقليل الاحتكاك الإداري، وهو ما ينعكس بشكل إيجابي على كل من المواطن والمستثمر.
كما اعتبر أن إلغاء بعض المتطلبات الإجرائية، مثل إلزامية تقديم عقد ملكية مشهر والاكتفاء بالمستند الدال على الملكية، يمثل تيسيرًا عمليًا كان مطلوبًا منذ فترة طويلة.
تقليص المدد الزمنية وتحسين الكفاءة
وفيما يتعلق بالمدة الزمنية اللازمة للحصول على التراخيص، أوضح سرور أن تقليص فترة استخراج الترخيص إلى 26 يوم عمل في الحالات غير الخاضعة لوثيقة التأمين، و40 يومًا في الحالات الأخرى، يمثل تطورًا مهمًا في كفاءة الجهاز الإداري، مقارنة بالنظام السابق الذي كان يستغرق فترات أطول.
وأضاف أن تنظيم مراحل استخراج الترخيص، بدءًا من بيان صلاحية الموقع، مرورًا بالمراجعات الفنية والتأمينية، وصولًا إلى إصدار الترخيص خلال فترة محددة، يعكس توجهًا واضحًا نحو ضبط الأداء الإداري وربطه بإطار زمني منضبط، بما يقلل من فرص التأخير أو التعقيد غير المبرر.
ضوابط عمرانية وتحول رقمي
وفي سياق متصل، أشار إلى أن وضع ضوابط محددة لارتفاعات المباني وعدد الأدوار وفقًا لعرض الشارع يسهم في تحقيق الانضباط العمراني، والحد من البناء العشوائي، مع التأكيد على أهمية الالتزام بالمخططات الاستراتيجية المعتمدة لكل منطقة، لضمان التوازن بين الاستخدامات السكنية والتجارية والخدمية.
كما أشاد بخطوات التحول الرقمي في خدمات التراخيص، والتي تتيح للمواطنين إمكانية التقديم الإلكتروني وسداد الرسوم دون الحاجة للتوجه إلى المراكز الخدمية، معتبرًا أن هذا التطور يسهم في تقليل الزحام، ورفع كفاءة الأداء، وتعزيز الشفافية في تقديم الخدمات الحكومية.
نقلة في منظومة البناء
واختتم المحامي بالنقض تصريحاته بالتأكيد على أن هذه التعديلات تمثل بداية مهمة لإعادة تنظيم ملف البناء في مصر، مشيرًا إلى أن نجاحها يرتبط بمدى تطبيقها على أرض الواقع، واستمرار تطويرها بما يحقق التوازن بين سرعة التنمية العمرانية والانضباط القانوني، بما يخدم المواطن والدولة على حد سواء.
















0 تعليق