في تحور مفاجئ لمسار صناعة أشباه الموصلات العالمي، كشفت تقارير صحفية صادرة عن صحيفة وول ستريت جورنال عن توصل شركة آبل إلى اتفاق أولي مع عملاقة الرقائق الأمريكية إنتل، لتتولى الأخيرة بموجبه إنتاج جانب من المعالجات التي تشغل أجهزة آبل المتنوعة.
يأتي هذا الإعلان بعد أكثر من عام من المباحثات المكثفة، ليعيد صياغة العلاقة بين قطبين تكنولوجيين افترقت طرقهما منذ عام 2020 حين قررت آبل الاستغناء عن معالجات إنتل والاعتماد على رقائقها الخاصة.
لم يكن هذا الاتفاق وليد الصدفة التقنية فحسب، بل لعبت التحولات الجيوسياسية في الولايات المتحدة دوراً محورياً في إتمامه، ووفقاً للتقارير، قاد وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك جهوداً حثيثة على مدار الـ 12 شهراً الماضية لإقناع قيادات آبل، وعلى رأسهم المدير التنفيذي تيم كوك، بضرورة العودة للتعامل مع إنتل كشريك تصنيعي.
وتشير المصادر إلى أن الرئيس الأمريكي تدخل شخصياً في هذا الملف، حيث حث تيم كوك خلال اجتماع في البيت الأبيض على دعم الصناعة الوطنية عبر التعاون مع إنتل.
وتأتي هذه التحركات في سياق استراتيجية واشنطن لتعزيز السيادة التقنية وتقليل الاعتماد على المصانع الآسيوية، خاصة بعدما استحوذت الحكومة الأمريكية على حصة بنسبة 10% في شركة إنتل في وقت سابق من عام 2025.
تعود جذور العلاقة بين الشركتين إلى عام 2006، عندما أعلن الراحل ستيف جوبز عن انتقال أجهزة ماك إلى معالجات إنتل، مما أطلق عصر النهضة الأول لأجهزة الحواسيب المحمولة من آبل.
واستمرت هذه الشراكة حتى عام 2019 عندما اشترت آبل قطاع أجهزة المودم في إنتل مقابل مليار دولار، في صفقة شملت براءات اختراع ونحو 2200 موظف، وهو ما وضع حجر الأساس لتطوير مودم C1 الخاص بآبل.
إلا أن العلاقة بدأت في التدهور مع طموح آبل للسيطرة الكاملة على عتادها البرمجي والصلب، حيث بدأت في تصميم رقائقها الخاصة (سلسلة A) منذ عام 2010.
ومع حلول عام 2020، وجهت آبل ضربة قاضية لإنتل بإعلانها عن رقائق آبل سيليكون القائمة على هندسة ARM، والتي تفوقت بمراحل على معالجات إنتل في كفاءة الطاقة والأداء، خاصة بعد تجربة أجهزة ماك بوك 2015 التي عانت من بطء المعالجة والحرارة المرتفعة.
إنتل واستعادة التوازن في عصر الذكاء الاصطناعي
بعد سنوات من التراجع أمام منافسين مثل كوالكوم وAMD، بدأت إنتل في استعادة بريقها تحت القيادة الجديدة لليب بو تان، ولم يقتصر نجاح الشركة على اتفاق آبل، بل سبقه توقيع اتفاقية بقيمة 5 مليارات دولار مع شركة إنفيديا لبناء معالجات مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى دعم مشروع "تيريفاب" التابع لإيلون ماسك لإنتاج رقائق لشركات تسلا وسبيس إكس.
رغم أن حجم الاتفاق الجديد لا يزال غير معلن بدقة، إلا أن احتياجات آبل الضخمة، التي تشحن أكثر من 200 مليون هاتف آيفون سنوياً بالإضافة إلى ملايين أجهزة آيباد وماك، تجعل من إنتل شريكاً استراتيجياً قادراً على توفير إمدادات مستقرة من السليكون داخل الأراضي الأمريكية.
يمثل هذا الاتفاق انتصاراً لسياسة التصنيع المحلي، واعترافاً بقدرة إنتل المتجددة على تلبية المعايير الصارمة التي تضعها آبل لمنتجاتها الرائدة.


















0 تعليق