الجمعة 08/مايو/2026 - 12:22 م 5/8/2026 12:22:44 PM
لم تكن وزارة الثقافة فى مصر مجرد مبانٍ إدارية أو قطاعات حكومية تؤدى دورًا روتينيًا، بل كانت عبر عقود طويلة أحد أهم الأسلحة الناعمة التى صنعت صورة مصر فى الداخل والخارج.
وكانت هيئة قصور الثقافة والعلاقات الثقافية الخارجية من أبرز الأذرع التى حملت الهوية المصرية إلى العالم، عبر فرق الفنون الشعبية والموسيقى والمسرح والفنون التراثية التى جابت القارات الخمس، وقدمت للعالم ملامح الإنسان المصرى البسيط، الذى يغنى ويرقص ويحكى تاريخه بالفن.
أتذكر جيدًا كيف كان خبر سفر إحدى فرق الفنون الشعبية المصرية إلى أوروبا أو آسيا أو إفريقيا يتكرر بصورة تكاد تكون يومية.
نعم لم يكن يمر أسبوع، وربما يوم، إلا وكانت الأخبار تحمل إلينا نبأ سفر إحدى فرق الفنون الشعبية المصرية التابعة لهيئة قصور الثقافة تسافر عبر جسر العلاقات الثقافية الخارجية إلى دولة من دول العالم؛ من أوروبا إلى الأمريكتين، ومن إفريقيا إلى الشرق الأقصى، حتى الصين وكوريا واليابان.
كانت تلك الفرق تحمل ملامح الشخصية المصرية، وترقص على إيقاع التراث الشعبى، وتقدم صورة حضارية لوطن عرف الفن منذ آلاف السنين.
كانت فرق مثل رضا والقومية للفنون الشعبية وفرق الأقاليم المختلفة تتحرك كسفراء حقيقيين للفن المصرى، تحمل معها رائحة الحارة المصرية، وإيقاع المزمار، وحكايات النيل والصعيد وسيناء والبحر الأحمر و مطروح و سيوة والبحيرة و الإسكندرية. لم تكن مجرد فرق للفنون الشعبية فقط بل سفراء للفنون المصرية و الإنسان و الحضارة المصرية.
لم يكن الأمر مجرد عروض فنية، بل كان رسالة حضارية تؤكد أن مصر دولة تمتلك تاريخًا وثقافة وفنًا قادرًا على الوصول إلى كل شعوب الأرض.
وفى المقابل، كانت القاهرة تستقبل فرقًا عالمية من مختلف دول العالم، تقدم عروض الباليه والموسيقى والفلكلور، فى إطار تبادل ثقافى حقيقى جعل الجمهور المصرى يعيش حالة من الانفتاح الفنى والمعرفى.
وكانت المسارح تمتلئ بالجمهور الذى ينتظر تلك العروض بشغف، لأن الثقافة وقتها كانت جزءًا من الحياة اليومية للمصريين، وليست نشاطًا هامشيًا أو رفاهية مؤجلة.
و فى اطار أهتمام وزيرة الثقافة دكتور جيهان زكى، بترميم قصور الثقافة و اعادتها الى الوجود ، لابد ان نؤكد: لم يكن دور قصور الثقافة يقتصر فقط على السفر أو استقبال الفرق الأجنبية، بل كانت تلك القصور بمثابة الجامعات الشعبية للفنون والآداب.
منها خرج شعراء وكتاب قصة وروائيون ومخرجون وممثلون وموسيقيون، ومنها بدأت أحلام آلاف الشباب فى المحافظات البعيدة عن العاصمة.
كانت قصور الثقافة تفتح أبوابها للجميع دون تمييز، وتمنح الموهبة فرصة حقيقية كى ترى النور.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا واضحًا فى هذا الدور، حتى أصبحت بعض قصور الثقافة مجرد مبانٍ مغلقة أو أنشطة محدودة لا تواكب حجم الدور التاريخى الذى أنشئت من أجله.
ومع هذا التراجع، خسرنا مساحة مهمة كانت تحمى الوعى، وتواجه التطرف، وتصنع الانتماء، وتمنح الشباب نافذة نحو الفن والجمال.
واليوم، وفى ظل ما تقوم به وزيرة الثقافة من محاولات لإعادة ترميم الوزارة واستعادة دورها، يصبح من الضرورى أن تمتد عملية التطوير إلى هيئة قصور الثقافة بشكل حقيقى وجاد، لأنها ليست قطاعًا عاديًا داخل الوزارة، بل روح الثقافة المصرية فى المحافظات والقرى والنجوع.
إن إعادة الحياة إلى قصور الثقافة تعنى إعادة اكتشاف المواهب المدفونة فى الأقاليم، وتعنى عودة المسرح والموسيقى والفنون إلى الشارع المصرى، وتعنى أيضًا استعادة دور مصر الثقافى عربيًا وإفريقيًا ودوليًا.
كما أن عودة فرق الفنون الشعبية للسفر والمشاركة فى المهرجانات الدولية سوف تعيد لمصر جزءًا مهمًا من حضورها وتأثيرها الناعم الذى تراجع خلال السنوات الماضية.
نحن لا نحتاج فقط إلى ترميم المبانى، بل إلى ترميم الفكرة نفسها؛ فكرة أن الثقافة حق لكل مواطن، وأن الفن ليس ترفًا، بل ضرورة لبناء الإنسان.
فقصور الثقافة يمكن أن تكون خط الدفاع الأول ضد الجهل والتعصب والانغلاق، إذا عادت إليها الروح، وعادت إليها الأنشطة الحقيقية، وعاد إليها الإيمان بأن بناء الوعى لا يقل أهمية عن بناء الطرق والكبارى.
وفى النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الأمم الكبرى لا تعيش بالاقتصاد وحده، ولا تصنع مكانتها بالقوة الصلبة فقط، بل بما تمتلكه من فن وثقافة وقدرة على التأثير فى وجدان الشعوب.
ومصر، التى كانت يومًا منارة للفن العربى والإفريقى، لا تزال تملك القدرة على استعادة هذا الدور، بشرط أن نعيد الاعتبار لمؤسساتنا الثقافية، وفى مقدمتها قصور الثقافة، التى كانت يومًا مصنعًا حقيقيًا للمبدعين، وجسرًا يربط مصر بالعالم.
وفى النهاية، افتحوا الأبواب للفن المصرى،للخروج حول العالم فهو أفضل رسالة يمكن أن تخرج من مصر إلى العالم.
افتحوا المسارح وقصور الثقافة والميادين أمام الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية، لأن الفن المصرى لم يكن يومًا مجرد وسيلة للترفيه، بل كان دائمًا لغة حضارة ورسالة ووعيًا وهوية.
نحن بلدٌ كان وسيظل مصدرًا للفنون والآداب والعلم والمعرفة، بلدًا خرج منه المبدعون الذين أناروا العالم بفكرهم وفنهم وإبداعهم.
نحن أبناء حضارة علمت البشرية معنى الجمال، وكتبت أول الحكايات، ورسمت أول ملامح الإبداع الإنسانى على جدران التاريخ.
إن بناء الإنسان المصرى لا يعتمد فقط على الحاضر، بل يستند إلى ماضٍ عظيم صنعته الحضارة، وحاضرٍ مجيد ما زال قادرًا على العطاء، ومستقبلٍ نأمل أن يكون أكثر إشراقًا للإنسانية كلها.
ولهذا، فإن دعم الثقافة والفنون ليس رفاهية، بل استثمار حقيقى فى الوعى، وفى الإنسان، وفى صورة مصر التى تستحق أن تعود منارة للفكر والإبداع كما كانت دائمًا.
















0 تعليق