لا يستطيع أحد أن ينكر أثر الدراما فى تشكيل الوعى الجمعى إيجابا أو سلبا، بل إن تأثيرها يفوق تأثير كثير من عوامل بناء وتشكيل الوعى الأخرى، ومن ثمة كان اهتمام السيد رئيس الجمهورية وتوجيهه بأهمية إنتاج الدراما الهادفة، وهو توجيه يذكر فيشكر، ولاسيما أننا فى عالم مفتوح لم يعد أسلوب الحجب والمنع هو الأجدى فيه، وإن كان ذلك ضروريا فى بعض الأحيان حين يتجاوز العمل خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها، كأن يشكل خطرا على الأمن المجتمعى أو القومى أو ينال من قيم المجتمع الراسخة أو ثوابته الدينية أو الوطنية.
والأجدى هو سد الفراغ بتقديم نماذج هادفة، ذلك أن العمل غير السوى لا يشق طريقه إلا فى غياب الأعمال الهادفة التى تجمع بين نبل الهدف وجاذبية العرض.
ومن خلال دراستى الأكاديمية المتخصصة فى مجال النقد الأدبى ومناقشتى مع بعض المعنيين بالعمل الفنى بصفة عامة والدرامى بصفة خاصة، أؤكد أننا نتفق على بعض الأمور، وتتعدد الرؤى فى بعضها الآخر، فالذى نتفق عليه هو أن الشعر وعاء وأداة توصيل، وكذلك القصة والرواية والدراما، فمن حيث كون هذه الفنون وعاء لا أظن أن أحدا يمكن أن يمارى فى أن هذا الوعاء يمكن أن يحمل الغث أو الثمين، ويمكن أن يكون أداة بناء أو أداة هدم، والفيصل فيما يحمله هذا الوعاء من خير أو شر، وما يسهم به من بناء أو هدم، وأن تعميم الأحكام على الأداة أو الوعاء بالقبول المطلق أو الرفض المطلق دون النظر إلى ما يحمله ويقدمه أمر غير منطقى.
أما مجال النقاش وتعدد الرؤى فيدور حول الغاية من هذه الفنون، فثمة مدارس أدبية ونقدية متعددة فى الشرق والغرب، ما بين من ينادى بالفن للفن قصد الإمتاع أو التسلية، ومن يرى أن دور الفن هو رصد الواقع كما هو دون تدخل فى المعالجة، باعتبار أن دور الفن هو تسليط الضوء على المشكلة وليس شرطا أن يعالجها، وقد يذهب بعضهم إلى إنهاء عمله الفنى أحيانا بانتصار الشر باعتبار ذلك واقعا فى منظوره هو على الأقل، ويرى أن تجميل الواقع قد ينال من حجم المشكلة ويهونها، وقد يسهم فى تفاقمها لا حلها، بل إن بعض الكتّاب قد يلجأ إلى المبالغة فى عرض المشكلات ليكون العمل بمثابة صرخة مدوية أو جرس إنذار شديد الوضوح تجاهها.
وهناك مدارس أخرى وبخاصة فى نظريات الأدب الإسلامى وكثير من المدارس ذات الطابع الإنسانى ترى أن للفن غاية إنسانية وأخلاقية وترقى لأن تكون إصلاحية، ولا سيما عند الكاتب والفنان الذى يبتغى بفنه مرضاة ربه وخدمة وطنه وتقديم عمل إنسانى عظيم، فكلما حمل العمل جانبا إنسانيا عاما ظل أعمق أثرا فى النفس وأطول عمرا فى الذاكرة وقابلا لتعدد العرض وامتداده لأزمان أطول وبيئات أوسع.
ولا شك أننى لا أصادر على رأى أدبى أو نقدى أو فنى إنما أطرح رؤية للحوار والنقاش، وأرى أنه كما أن على كل منا دورا وطنيا ولا سيما وقت الأزمات فإن الفن شريك فى ذلك، فما أجمل أن يجتهد الكاتب والفنان من خلال معالجته فى تقديم إضاءة أو إشارة حول رؤيته للحل، وأن ينحاز إلى جانب الخير والحق والفضيلة ولو على سبيل الإشارة أو التلميح أو التضمين، إيمانا منا بأن ما يتم استنتاجه بكد الذهن يكون أبعد أثرا فى النفس من الأساليب المباشرة التى لا يحتملها الفن، وما أجمل أن ينأى بنفسه أيضا عما يمكن أن يشكل قدوة سلبية، وأن يشير ولو إشارة ضمنية أو خفية إلى خطورة تلك النماذج السلبية أو السيئة مع بيان أن طريقها محفوف بالمخاطر وعواقبها وخيمة ومدمرة.
وختاما أؤكد أن فى حاجة ملحة إلى رؤى فكرية ونقدية تسهم بقوة فى تصحيح المسار وتخليصه مما علق ببعض الأعمال من مظاهر يمكن أن ترسخ ولو بغير قصد لنماذج سلبية كالبلطجة ونحوها.
الأستاذ بجامعة الأزهر


















0 تعليق